البطل المنسي موحا أو علّال شهيد المقاومة الشعبية

البطل المنسي موحا أو علّال شهيد المقاومة الشعبية

محمد بن علّال من أبطال الرعيل الأول للمقاومة الشعبية

 الذكرى 57 لاستقلال بلدنا …. ذكرى غالية على قلب كل جزائري أصيل محب لوطنه بصدق … على قلب كل جزائري يرفض الذل و الهوان … على قلب كل جزائري شامخ شموخ أبطال شعبنا … بعض شعوب العالم عندها بطل أو خمسة أو عشرة أبطال في تاريخها … تمجدهم و تروج لهم و تصنع منهم أساطير عالمية … نحن الأمازيغ هم الشعب الوحيد في العالم الذي لدينا ملايين الأبطال … لأن شعبنا هو الشعب الوحيد في العالم الذي يحارب منذ أكثر من 3000 سنة تقريبا دون انقطاع ، للحفاظ على أرض أجداده و عزته و كرامته و شموخه و هويته ….. بسبب تكالب الأعداء و الغزاة و الخونة على أرضنا …..

في ذكرى استقلال بلدنا نتذكر ملاحم كل هؤلاء الرجال … لأن دماءهم تجري في عروقنا ….. اليوم قررت أن أعرفكم بأحد أكبر أبطال شعبنا …. الذي كتب التاريخ حيا … و كتبه ميتا … و لا تزال ذكراه تصنع الحدث إلى اليوم ……. الصورة لرأس واحد من أعظم أبطال شعبنا عبر التاريخ …. محمد بن علّال رحمه الله …. هي معروضة اليوم في أحد متاحف باريس بفرنسا ……. كشاهد على بطولة شعب ، و على وحشية و دناءة الإستعمار الفرنسي …. الذي يحتفظ إلى اليوم بأكثر من 30 جمجمة لأبطال شعبنا في متاحفه ….

ولد البطل موحا أو علّال ( محمد بن علّال ) حوالي سنة 1810 بمدينة القليعة ( ولاية تيبازا اليوم ) ، وسط أنبل عائلات المدينة ، إذ أنه ينحدر مباشرة من سيدي علي مبارك ( أصله من قبيلة زناتة الأمازيغية من سهل غريس بمعسكر ) الذي أسس زاويته الشهيرة بالمنطقة في القرن 17 م ، ربّاه عمه البطل الحاج سيدي محي الدين الصغير ، و تعلم على يده القرآن و الفقه المالكي و فنون الفروسية ، في سنة 1830 و بعد احتلال الجزائر من طرف الفرنسيين كان الشيخ محي الدين الصغير قائد المقاومة بمتيجة ، و ممثلا عن أعراش المنطقة في مقاومة البطل الحاج بن زعموم زعيم عرش إفليسن ( غرب تيزي وزو و شرق بومرداس ) رحمه الله قائد أول ثورة شعبية ببلدنا ، قاد الشيخ محي الدين و ابن أخيه محمد العديد من المعارك في المنطقة ، أين اشتهر محمد بن علال آنذاك بشجاعته و فروسيته التي تغنى بها الشعراء !!!! في سنة 1832 و خلال معركة بوفاريك أسر الجيش الفرنسي البطل محمد بن علال و كل عائلة آل مبارك ، و وضعوه في سجن القصبة بالعاصمة ، أين تعرّف البطل على الجنرال ( كان ضابطا آنذاك ) الفرنسي لاموريسيير الذي سيكون له دور كبير في احتلال بلدنا ……

في سنة 1834 أطلق الفرنسيون سراح البطل محمد بن علال و أفراد عائلته بموجب إتفاقية ديميشيل ، التي أمضاها الفرنسيون مع الأمير عبد القادر الذي كبّد الجيش الفرنسي خسائر فادحة و أجبره على صفقة تبادل أسرى ، إنتقل محمد بن علال و عمه الشيخ محي الدين الصغير إلى مليانة لتنظيم الجيوش ، و التحقا بمقاومة الأمير عبد القادر الذي عين الحاج محي الدين خليفة له ، واصل البطلان المقاومة حتى سنة 1837 التي أَجبر فيها الفرنسيون على إمضاء معاهدة التافنا ، التي رسمت خلالها الحدود بين الفرنسيين و دولة الأمير عبد القادر حسب مجرى واد شفة ، فانتقل آل مبارك هذه المرة نهائيا إلى مليانة لأن القليعة أصبحت في الجانب الفرنسي من الحدود ، بعد أسابيع من إمضاء معاهدة التافنا توفي الحاج محي الدين الصغير ، فعين الأمير عبد القادر البطل محمد بن علال خليفة على مليانة

في مليانة ، نظم البطل محمد بن علال شرون الدولة في منطقة جبال الظهرة و وارسنيس و متيجة الغربية و جبالها ، أسس المدارس و المستشفيات ، و بنى مصنعا للذخيرة و الأسلحة بمدينة مليانة لاستغلال مناجم الحديد بجبل زكار الشامخ ، كما أسس البطل جيشا نظاميا بمساعدة مستشاره سي قدور برويلة ، في ماي 1938 قرر الأمير عبد القادر الذهاب إلى الصحراء لتوحيد الصفوف و معاقبة القبائل المتمردة ، و عيّن البطل محمد بن علال كنائب له على رأس الدولة الجزائرية ، قام البطل بتمثيل الأمير عبد القادر لما تمت مراجعة بنود معاهدة تافنا مع الفرنسيين طيلة 9 أشهر ، لكن أحداث الشرق الجزائري و الفتنة بين أفراد عائلة مقراني بجبال بيبان أدت إلى خرق بنود المعاهدة و اندلاع الحرب من جديد

قاد البطل محمد بن علال بمساعدة البطل موحا أوعيسى البركاني ( محمد بن عيسى ) خليفة المدية ، الذي ينحدر من عرش آث مناصر ( بني مناصر ) التاريخي الذي استقبل محمد بن علال بمليانة ، أولى العمليات العسكرية ضد الجيش الفرنسي بمتيجة و جبال الأطلس البليدي ، عبر البطلان واد شفة و قادا معارك واد العلايق الكبيرة ( ديسمبر 1839 ) ، سيدي يعقوب بالبليدة ( 1840 ) ، كدية ميكش بأعالي بوعرفة ثم ثنية موزايا ( ماي 1840 ) ….. معارك خالدة انتهت بانهزام جيش المقاومة و تراجعه ، قرر البطل محمد بن علال إخلاء مدينة مليانة حفاظا على أهلها من وحشية الفرنسيين و انسحب إلى قمم جبال وارسنيس لمواصلة المقاومة ، كاتبا أروع صفحات البطولة و الجهاد رغم صعوبة الظروف و حصار الجيش الفرنسي ، في سنة 1841 قام البطل بصفقة تبادل أسرى مع الفرنسيين بعد مراسلته أسقف الجزائر دوبوش ، الأمر الذي أغضب الجنرال بيجو قائد الجيوش الفرنسية كثيرا ، الذي هاجم مواقع جيش محمد بن علال لكنه لم يستطع اقتحام قلاع وارسنيس الشامخة ، فحاول إمضاء معاهدة صلح و طلب من البطل تسليم نفسه مقابل إعطائه كل أراضي أجداده و امتيازات عديدة ، فردّ البطل محمد بن علال برسالة خالدة يحتفظ بها الأرشيف الفرنسي إلى يومنا هذا جاء فيها :

” …. من جبل الدخلة ( جبل تامزڨيدا ) إلى واد الفضة …. أحكم ، أجاهد ، أعفو ، هذا الحكم الذي أنفّذه باسم الله تعالى ، و بشريعته ، و خدمة لمولاي السلطان عبد القادر …. ماذا ستقدمون لي بدلا منه ؟؟ أرض أجدادي التي سأسترجعها بالبارود كما أخذتموها منا بالبارود …. أو المال أو صفة الخيانة و العار ……”

واصل البطل مقاومته الأسطورية حتى يوم 16 ماي 1843 ، التاريخ الذي سقطت فيه زمالة الأمير عبد القادر ، و هي عاصمته المتنقلة التي كانت تحوي آنذاك قرابة 20 ألف شخص …. العاصمة التي كانت بمنطقة تاڨدمت ( ولاية تيارت ) إنسحبت إلى منطقة طاڨين ( قرب قصر الشلالة ) أين رصدها الجيش الفرنسي و حاصرها ، و قام بمجازر مروّعة في حق أهلها ….. كما قام بأسر كل عائلة محمد بن علال التي كانت محتمية داخل الزمالة ، و نفى أفرادها إلى جزيرة سانت مارڨريت قرب كان ( جنوب فرنسا ) ، لاستعمالهم كورقة ضغط لإجبار محمد بن علال على تسليم نفسه و وقف الجهاد ، أرسل أفراد العائلة ( بإيعاز من الفرنسيين ) رسالة إلى محمد بن علال مطالبين إياه بالإستسلام مقابل الحفاظ على أرواحهم ، فرد عليهم البطل برسالة مؤثرة جاء فيها :

” لا تفكرّوا أبدا أنّي سأسلّم نفسي و ألتحق بكم للعيش في بلاد الكفرة ، بكل تأكيد أن أغلى ما يملكه الفرد في هذه الدنيا الفانية هم إخوته ، أهله و أبناؤه ، لو استطعت شراء حريتكم بالمال أو بروحي لفعلت ، لكن تسليم نفسي و العيش في بلاد الكفر ، أمر ترفضه شريعة الله و أوامر نبيّه صلى الله عليه و سلم ، أتمنى ألا أفعل ذلك ما حييت ….. “

إنسحب البطل بعد سقوط الزمالة المرير و اقتحام الجيش الفرنسي جبال وارسنيس إلى أقصى الغرب الجزائري ، أين حاصرته الجيوش الفرنسية بعد 13 سنة من الحرب و البطولات ، فكانت معركة واد المالح قرب الحدود المغربية يوم 11 نوفمبر 1843 ، أين قاوم البطل محمد بن علال و قتل بنفسه العديد من الفرنسيين ، بمسدسه ثم بسيفه بعد أن فقد ذراعه و عينه قبل ذلك ، حتى استشهد و سيفه في يده ، رفقة 700 من المجاهدين الأبطال الذين قتلهم كلهم الجيش الفرنسي الهمجي ، يومئذ قال الجنرال بيجو الذي أصبح من يومها ماريشالا مكافأة على هزيمته لبن علال :

” بعد معركة واد المالح الجميلة ، لم يبق لعبد القادر إلا القليل من الفرسان ، يمكننا القول أن الدولة الجميلة التي أسسها ، قمنا باحتلالها كليا و نهائيا “

قطع الفرنسيون رأس البطل محمد بن علال ، و طافوا بها في المدن و القرى لترهيب الجزائريين ، و عرضوها لأيام عديدة عند أسوار الجزائر العاصمة قبل أن ينقلوها إلى متاحف باريس ، كرمز من رموز جرائمهم الوحشية التي لم يعرف لها العالم مثيلا ….. و هي إلى اليوم بباريس رغم مطالب عائلة البطل و العديد من الجمعيات و الدولة الجزائرية مؤخرا ، أما جسم البطل فلم يسلم إلى أهله و لا يعرف أحد قبره الحقيقي إلى يومنا هذا ( يقال أن ا لفرنسيين سلموا لعائلة البطل رأسا رمزيا دفن بجانب جده بالقليعة ) …. أما رأسه فنقل إلى عائلته داخل كيس من جلد ، تقول الأسطورة أن أم البطل ، لالّا حليمة ، لما رأت رأس ابنها الشهيد ، بكت بحرقة ، زغردت و قالت للنساء :

إيّاكن أن تبكين على بطل مات من أجل وطنه ….. نظرت إلى الجندي الفرنسي نظرة كبرياء ، و قبلت رأس ابنها قائلة : هكذا أردت أن تموت يا بن علال …..

بعد الإستقلال قامت السلطات الجزائرية بإطلاق إسم بن علال على بلدية صغيرة تقع حوالي 8 كم غرب مليانة ، في سفوح جبل زكار الشامخ ، بقلب جبال عرش آث مناصر التاريخي ….. عرين الأسد محمد بن علال ، الذي تغنى ببطولاته الشعراء ، بطل كتب سيرته الذاتية أحد أحفاده منذ سنوات : سيد احمد بن مبارك بن علال

رحم الله الفقيد و أسكنه فسيح جنانه ، و جزاه عنا خير الجزاء ، بطل لا يعرفه الكثير من الجزائريين للأسف … بطل سيبقى ذكره خالدا ، بإذن الله تعالى ، ككل أبطال شعبنا الذين سقوا أرض أجدادنا بدمائهم الطاهرة ، و إنا على نهجهم بإذن الله سائرون ….. من أجل ذكراك يا أسد الظهرة … من أجل ذكرى كل بطل قدّم نفسه فداءا لأرض أجدادنا … من يوغرطا إلى بوضياف …. لن ننحني ، لن نركع ، لن نقبل بالذل و الهوان ، و سنحقق أحلامكم جميعا بإذن الله تعالى …

المجد و الخلود لشهدائنا و أبطال شعبنا

مقال للباحث معمر أمين بن سونة

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on skype
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

Close Menu