الجامعة الجزائرية و البحث : معاينة وضع

لاشك ان ” الجامعة “, هي القاطرة التي تقود الامة ,و اي مشكل يطرح على الامة , تلجأ الى الجامعة لإيجاد حل له ,حضرت مرة في دولة اسيوية ظهور جائحة , كادت ان تقضي على محصول القطن في هذه الدولة , وهو يكاد يكون بترولها ,حضرنا كيف لجأت هذه الدولة الى الجامعة , ونزلت كلية الزراعة الى الميدان , وما هي الى ايام معدودات حتى تم معالجة الداء , بحضور طلبة الدراسات العليا و الاساتذة ,هكذا يشعر هؤلاء الاساتذة بالاعتزاز و الطلبة يتدربون على معالجة المشاكل التي تعترض ميدان تخصصهم .

ونعرف احاطة في معظم دول العالم , الرؤساء و الوزراء بمستشارين من الجامعيين في مختلف التخصصات , وتتم معالجة الكثير من القضايا قبل ان تطرح , بل و الاستشراف للمستقبل .

اين الجامعات الجزائرية من كل هذا ؟

يبدو لي ان البحث عندنا يتم بمعزل عن المحيط , لا الشركات و المؤسسات و الهيئات الوطنية على اتصال بالجامعة , و لا العكس , كل منهما يعيش في قصره العاجي على ريع البترول ,الشركات و المؤسسات , تلجأ الى الخارج , الى الاستيراد , كلما اعترضتها مشكلة , والجامعة مكتفية بالبحوث النظرية في احيان كثيرة لا علاقة لها بالاحتياجات الوطنية .


نلاحظ ان البحث في التعليم العالي , يتم إما على مستوى الجامعات و المراكز الجامعية و المدارس العليا او على مستوى المخابر,التي تشرف على وحدات البحث , او على مستوى ما بعد التدرج (ماجستير , دكتوراه سابقا و ماستر , دكتوراه طور الثالث حاليا ).

كان ينظر للماستر في النظام الانجلو- ساكسونى بمثابة الماجستير او دكتوراه الحلقة الثالثة عندنا في النظام القديم , و كانت الماستر تتبع بشهادة D.H.P( دكتوراه الفلسفة – التاريخ ) , التي عدلت في فترات الغفلة عندنا بالدكتوراه دولة ,و لم يكن بعض حملتها اقل شأنا .

اذا كانت هذه هي مكانة الماستر عند الانجليز ومن ولاهم في النظام الانجلو – ساكسونى , فإن شهادة الماستر 2 عندنا ,لا تساوي حتى محتوى مذكرة التخرج بشهادة الليسانس في نظام اربع سنوات , ولا تستحق حتى ان توضع في رفوف المكتبات , لما فيها من اخطاء علمية و منهجية و لغوية …, إذا تم تحضيرها و لم تكن منسوخة على مذكرات سابقة , والطلبة يختارون من الاساتذة من لا يحاسبهم على المحتوى (ما يعطلش) ,و نحن نبحث عن الانتقال الى اللغة الانجليزية , و معظم طلبتنا لا يعرفون لغة ثانية , بل اؤكد , انه قلما , نجد طالبا يتحكم في اللغة العربية , فما بالك في لغة ثانية , فكيف ينتقل هؤلاء الطلبة الى ما بعد التدرج , وهم لا يتحكمون حتى في اللغة الام ؟!


وصلنا فعلا نقطة اللارجوع , إننا نغرق , نغرق و لا حيلة لنا للخروج من هذا اليٌم , و قد وصل الامر إلى تساوي الطالب و الاستاذ ,او يتجاوزه ,و قد حضرنا فعلا مناقشات , كان الاستاذ يحاول ان يصحح للطالب ما هو صحيح بالخطأ.

عندما كانت الجامعة جامعة ,عندما تقدم الرسائل لتشكيل لجان المناقشة , كان اعضاء المجلس العلمي يجدون و يجتهدون كل من جهته – اثناء الجلسة – في البحث عن الاساتذة الاقرب الى تخصص الطالب , لإشراكهم في لجان المناقشة , لإفادة الطالب بما يقدمون له من ملاحظات لإثراء عمل الطالب , الان يجد الاستاتذة المشرفون لإبعاد كل استاذ بمكن ان يقدم اضافة للطالب , وكأن المناقش ,يناقش الاستاذ و ليس الطالب , ولذا نجد اللجان , تتكرر بالأسماء نفسها ,بالتداول , اليوم انت معي , وغدا انا معك , ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة في مختلف الاقسام و الجامعات , و لا احد يندد مجرد تنديد الكل راضٍ, و قد وصل الامر الى محاولة مساعدة طلبة على المناقشة , و قد ثبتت عليهم السرقة العلمية لكامل الرسالة .


الرسائل و الاطروحات :

اما عن الرسائل و الاطروحات , عن موضوعاتها ,و عن محتواها , فحدث و لا حرج ,ففضلا عن الاستنساخ ,نجد لغة ركيكة, وأحيانا ترجمة حرفية ,لا يمكن حتى فهم المعنى المقصود – في الحالات النادرة و التي يلجأ فيها الطالب الى موضوع يحتاج فيه الى لغة اجنبية – طبعا اتحدث عن العلوم الانسانية و الاجتماعية , إذ يلجأون في العادة الى موضوعات في المشرق العربي , حول مصر , وادى الرافدين وشبه جزيرة العرب…حيث تتوفر المادة العلمية باللغة العربية , وكأنهم يأتون بجديد بموضوعات حول مصر التي استهلكها الالمان و الانجليز و الامريكان حتى قبل المصريين , او في وادى الرافدين …فيستنسخون و يفسرون الماء بالماء , ويحصلون على الشهادة , وهي المقصودة , على حساب التكوين و شعارهم ” اللي قرا , قرا بكري ” المهم اليوم هي الشهادة و التوظيف .

في السبعينيات و بداية الثمانينيات الطلبة كانوا يدرسون و يكدٌون و يجتهدون من اجل التكوين ,بعد الخروج من استعمار طويل جثا على صدورنا ,كنا نأمل ان نلحق بركب الدول المتقدمة بالعلم والمعرفة , لكن الجامعة بعد ذلك , حادت على الطريق , ولم تفلت من السياسة الشعبوية , التي تم انتهاجها في كل الميادين , فأصبحت الجامعة , صورة عاكسة للسياسة الفاشلة ,المنتهجة من النظام , الذي سيٌس كل شيئ حتى الجامعة :

• الاعتماد على تنظيمات طلابية و نقابات اساتذة مدسوسة في الاوساط الطلابية و الاساتذة , توجهها وفق اهوائها و مصالحها دون مراعاة الجوانب العلمية ,مقابل امتيازات خاصة , المناصب في الدراسات العليا رغم المستوى الهزيل لأغلبية اعضائها.

• إبعاد الاساتذة الجادين عن المناصب الادارية و السياسية و افراغ الجو للطفيليين و الانتهازيين الذين يفتقرون الى معايير النزاهة و الكفاءة و الفاعلية .

• فتح التكوين في الدراسات ما بعد التدرج لكل من هبٌ و دبٌ , وأصبحت رسائل الدكتوراه تناقش بين الاحباب في جلسات مجاملة , يبعد من لجانها كل استاذ جاد ينوى إرشاد الطالب الى مواطن ضعفه , و يتم ابعاد هؤلاء اعتقادا من المشرف , ان نقائص الطالب هي نقائصه , وينسون ان الطالب هو المتخصص في موضوعه , وليس الاستاذ المشرف , فطغت المصلحة , وغابت الاخلاق الجامعية .

• الجامعات الجزائرية , التي كانت قبلة لكثير من الافارقة و الاسيويين في سبعينيات و ثمانينات القرن الماضي , اصبحت الان لا يعترف بشهاداتها و حتى من تلك الدول ,التي كانت الجامعات الجزائرية وجهة لطلبتها و باحثيها الذين وصل بعضهم مناصب عليا في بلدانهم .

• افلست جامعاتنا , التي اعتمدت مقاييس ” الكم ” و اهملت تماما ” النوعية “,ووصل الامر الى استفادة اعوان الامن و النظافة من تربصات قصيرة المدة بالخارج , ويحرم منها الاساتذة الذين عليهم الخضوع ” للتداول ” للحصول على هذه ” المنحة ” التي يستوى فيها المسافر للتجارة او العمرة و الباحث الحقيقي ,الذي يخضع للتداول , بينما يستفيد منها الاستاذ – حتى لو كان مساعدا – الشاغل لمنصب اداري سنويا ( رئيس قسم و نوابه ,العميد و نوابه ,رؤساء اللجان العلمية ,رؤساء المجالس العلمية ) مع استفادتهم من الساعات الاضافية و الاعفاء من التدريس او التخفيف منه , و يحرم منها الباحث الذي يخضع للتداول لا لمقاييس النجاعة العلمية , ونتحدث عن التربصات و التكوين في الخارج , ونصرف اموال بالعملة الصعبة !

•بعض الجامعات , تفتقد لكل شئ, هياكل مهترئة , تأطير اداري و بيداغوجي هش ,لدرجة اننا نشعر ان النظام و الانضباط , نجده في المستوايات الدنيا (التعليم العام ) , افضل بكثير منه في التعليم العالي .

 

لماذا وصلنا الى هذا الوضع , الذي يصعب تداركه ؟

1)- غياب سياسة وطنية للتعليم العالي و البحث منذ سنوات , و التي تحدد الاهداف و الاستراتيجية للجامعة على المدى القريب و المتوسط و لما لا البعيد , وقد لا حظنا ان السياسة الوحيدة في هذا المجال , تكمن في كيفية التحكم في توجيه و تسيير هذا ” السيل ” من الطلبة , الذين تزداد اعدادهم كل سنة , ويطل علينا وزير القطاع كل بداية سنة جامعية , عبر وسائل الاعلام , للتباهي بتوفير مقاعد الدراسة , الاقامة ,النقل , دون التفكير في ماذا نريد , ماذا نكوٌن؟!


2)- الفتح العشوائي للجامعات و المراكز الجامعية في كل الاتجاهات , في اطار سياسة شعبوية , لا وفق الاحتياجات , بل وفق الطلب , وبتأثير لوبيات محلية و وطنية , وفي مناطق مختلفة من الوطن , دون مراعاة امكانيات التأطير , و الاحتياجات المحلية او الجهوية الفعلية , و اصبح يدرس في هذه المراكز الجامعية و حتى الجامعات , اساتذة الثانويات في احسن الاحوال او حملة الليسانس , يدرسون طلبة الليسانس , يعوضون عجزهم عن تقديم المعرفة , بتضخيم علامات الطلبة .


3)- فقدان الجامعة لوظيفتها الاساسية كنتيجة لذلك , المتمثلة في انتاج المعرفة و تطبيقها , لتصبح الة لإنتاج الفشل , و انتاج بطالين مجازين بشهادات عليا.


4)- الجامعة تعاني ازمة متعددة الابعاد و نسبة النجاح في البكالوريا غير عادية في سنوات تستمر فيها الاضرابات لشهور ,اضرابات في بعض الجامعات و المدارس العليا ,تستمر لفترات لا يمكن تداركها ( هو حال المدرسة العليا للأساتذة السنة الماضية ), ومع ذلك , تجري بها الامتحانات و وتتم المصادقة على النتائج و السنة الجامعية بشكل عادي و ينتقل الطلبة و يتخرج , اخرون , و المجالس العلمية تتفرج و لا تحتج , مجرد احتجاج .


5)- هجرة الكثير من كوادر الجامعة , إما بسبب الظروف الاجتماعية و المهنية , مع توفير الظروف المثالية سواء في الغرب او في دول البترو – دولار , او بسبب العشرية السوداء , حيث كان الكثير منهم مهدد في حياته , خاصة البارزين منهم , والمعروفين بإنتاجهم و مواقفهم .


6)- تطبيق نظام ل .م . د. (ليسانس , ماستر , دكتوراه ), الذي تولد عنه ضغط على الدراسات ما بعد التدرج , باعتبار ان هذا النظام في الغرب ( الدول الانجلوساكسونية و اوروبا التي التحقت به ), يغلب عليه الطابع المهنى .

اذ يعد الماستر (بكالوريا + 5 )في الدول الانجلو – ساكسونية , هو المستوى , الذي يتوج دراسات المدى الطويل , و التخصص المؤهل الى الحياة المهنية اساسا مع كونه طبعا , هو ايضا مستوى الشهادة المؤهلة – الضرورية – لبدء التكوين للبحث و تحضير الدكتوراه .

اخذنا بهذا النظام , دون وجود بكالوريا مهنية التي تحضر و تؤهل الطلبة للماستر المهني ,فأصبح المنقذ الوحيد امام الطلبة , هو الماستر الاكاديمي , المؤهل للبحث , وتحضير الدكتوراه , ولم نتمكن من التحكم في هذا السيل من الطلبة , الذين يترشحون لمسابقة , الدكتوراه , وعند تطبيق البروقرس (Progres) , ونظرا لسيل الطلبة, خاصة في بعض التخصصات , ظهرت فيه نقائص,

اذ نجد طلبة في دفعات سابقة مثلا 2014 /2015 بمعدل 13.58 الى 12.62 تم ترتيبهم في صنف A و كذا خلال السنة الجامعية 2017/2018, طلبة بمعدل 13.94 حتى 12.91 صنفوا في A, مايعني ان هؤلاء الطلبة يدخلون المسابقة كل سنة, بما فيها مسابقة اكتوبر 2019, بينما حرم من هذه المسابقة طلبة تخرجوا خلال السنة الجامعية 2018/2019 بمعدلات فاقت 14.11 و 14.06, و طلبة من دفعة 2015/2016 بمعدلات بمعدلات 14.03 و 14.15 و 14.15, لم يسمح لهم بدخول هذه المسابقة بدعوى تصنيففهم في صنف B في دفعاتهم.


مما يعد اجحافا في حق طلبة تخرجوا لتوهم بمعدلات اعلى من زملاء لهم في دفعات سابقة او حتى لاحقة بالنسبة لآخرين ,لا يسمح لهم بالمشاركة ,بيما يشارك طلبة بمعدلات ادنى منهم من دفعات اخرى , وقد سبق لبعضهم دخول اكثر من مسابقة ,و قد لاحظنا في احدى دفعات 2015/2016 طالبة بمعدل 14.18 صنفت في A و زميلة لها 14.17 صنفت في B ,الاولى يسمح لها بدخول المسابقة و الاخرى لا .

هكذا نجد طلبة من دفعة 2018/2019 بمعدلات تفوق 14/20 , لم يسمح لهم بدخول مسابقة , الدكتوراه , بينما دخلها طلبة دفعات سابقة و بمعدلات 12.62 و 12.91 اما معدلات 13.03 فحدث ولا حرج , ما يعنى ان طالبا بمعدل ادنى يشارك اكثر من مرة , و الاخر تغلق ابواب المسابقة في وجهه سنة تخرجه و السنوات اللاحقة , وبمعدل اعلى !؟

هذا لأمر يجعلنا , نقترح أعادة النظر في هذا النظام الذي قد يصلح في الغرب ( الدول الانجلو – ساكسونية + اوروبا ), حيث يقل الطلب على دراسات ما بعد التدرج , نظرا لوجود فرص عمل و منافذ اخرى , وذلك اما باللجوء الى الشروط نفسها التي ينتقى بها الطلبة للدخول الى الماستر (80% من الدفعة , 10% من الدفعات السابقة , 10%من خارج الجامعة ),

مادامت اغلب الجامعات تفتح المسابقة و حتى دون ادنى تأطير مع اعتماد المعدلات العليا , لا التصنيف , او خلق مجموعة اقطاب, ثلاثة او اربعة اقطاب في كل تخصص ( وسط , شرق , غرب , جنوب ) كل قطب تشارك التدريس فيه اعلى الكفاءات الوطنية في التخصص ,ان اردنا تقويم الامر و اصلاح الوضع , قبل ان نتعرض لمواجهة مع طلبة يشعرون بالحقرة و الظلم, و قد بدأت التظلمات هذه السنة و ستزداد اتساعا مع تزايد الدفعات.

هذه معاينة سريعة لوضع جامعاتنا , التى نتمنى ان يستدرك القائمون عليها الوضع , قبل ان يستفحل , وتنهض من جديد لأداء دورها , وتتحكم في الكم الذي لا يجب ان يكون شغلها الشاغل ,و تتوجه نحو ” النوعية ” لان بغير ذلك لا نقدم و لا نؤخر.

 

بقلم : أ .د . محمد الهادي حارش
عين البنيان – الجزائر- في 13/11/2019

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

Close Menu