الذكرى 61 لاستشهاد البطل سي لخضر ( رابح مقراني )

الذكرى 61 لاستشهاد البطل سي لخضر ( رابح مقراني )

5 مارس … الذكرى 61 لاستشهاد البطل سي لخضر (رابح مقراني)…. رحمه الله تعالى …. البطل المنسي ّ !!

من عمالقة ثورتنا المجيدة … سي لخضر البطل الأسطوري ، الذي لقّب بصقر جبال زبربر … البطل الذي كان اسمه فقط يرعب فرنسا … البطل الذي نشأ يتيما ، و عاش فقيرا ، و قاد العديد من العمليات ضد الجيش الفرنسي … و كتب التاريخ بأحرف من ذهب … و استشهد و عمره 24 سنة فقط ….. البطل المنسيّ للأسف ….

ولد البطل سعيد مقراني ( سعيد إسمه في السجل المدني ، و يناديه الجميع باسم رابح ) يوم 6 نوفمبر 1934 في قرية ڨرڨور ، إحدى قرى عرش عمّال الأمازيغي ( قرب لخضرية حاليا ) ، وسط عائلة فقيرة يقال أنها تنحدر من جبال بيبان ( من عائلة محمد المقراني ) ، كان البطل أكبر أبناء الأسرة ، أمه توفيّت و عمره 6 سنوات فتربّى يتيما ….. كان فقيرا جدا لدرجة أن أخته زوينة حفظها الله ، قالت أنه لم تكن لديه إلا بدلة واحدة ليذهب بها إلى المدرسة ، يغسلونها و يجففونها باستمرار ……. لكنه و منذ نعومة أظافره كان يكره الفرنسيين بشدة ، و تميّز عن أقرانه بقوّته البدنية و شجاعته ….. بعد حصوله على شهادة الإبتدائية درس التكوين المهني و تحصل على شهادة بنّاء ، اشتغل بالبناء بين العاصمة و منطقة القبائل أين عاين أحوال الجزائريين و الظلم و البؤس الذي كانوا يعيشون فيه ….. و اطّلع على النضال السياسي الوطني و تأكّد أن العمل العسكري هو الحل الوحيد لتحقيق استقلال أرضنا …..

مع اندلاع الثورة أسندت للبطل مهمة تعبئة و تجنيد الشباب في المنطقة الممتدة بين عين بسام ، لخضرية و تابلاط ، أي في مثلث جبال زبربر الشامخة ، لما قرر سي لخضر الصعود إلى الجبل ، تقول أخته ، طلب السمّاح من والده فقال له : وانا شكون بيا ؟؟ لأن سي لخضر كان الوحيد الذي يعمل في الأسرة……. فأجاب أباه بأمازيغية أجداده ما معناه : بابا ما تتقلقش حاجة ما تخصك … كان آخر يوم يراه أهله فيه ….. لما التحق بالجبل بدأ بتنظيم صفوف المجاهدين ، لكنه جابه مشكلا صعبا : النقص الفادح في الأسلحة و الذخيرة …. يروي رفيق دربه ، البطل سي عز الدين ( رابح زيراري ) ، أطال الله في عمره ، أن سي لخضر طلب يوما السلاح من البطل علي خوجة فقال له الجملة الخالدة : إذا أردت السلاح اهبط لطريق الڨودرو …. أي : عليك أن تجابه الفرنسيين وجها لوجه و تغنم أسلحتهم …… فكانت بداية الأسطورة

قرر سي لخضر البدأ في حرب عصابات مع الجيش الفرنسي ، فكانت أول عملية بمنطقة موزوبيا بضواحي بير غبالو ( بلدية ميهوب حاليا ) ، التي كان بها سوق أسبوعي ، فنصب كمينا لدورية من الجيش الفرنسي …. في 10 دقائق غنم البطل العديد من الأسلحة و الذخيرة …. و أصبحت منذ ذلك اليوم مشهورا باستراتيجية حرب العصابات إذ كان يقول : طريق لڨودرو هي مصنعنا …أضرب ، حزّط (نحّي ) و اهرب …. كرر البطل العملية عشرات المرات حول جبال زبربر التي كان يستحيل على الفرنسيين دخولها لوعورتها و تعقيد تضاريسها …… و قاد العديد من المعارك في جبال بوزڨزة ، ساكامودي ، جبال تابلاط ، بعد مؤتمر الصومام أصبح سي لخضر المسؤول العسكري للولاية الرابعة التاريخية برتبة رائد ، مسؤولية لم تثني عزيمته ولا نشاطه الميداني …. حيث يروي شيوخنا أنه كان بإمكانه المشي لعشرات الكيلومترات في اليوم ، كان لا يتنقل إلا ليلا …. وكان مركز عملياته و عرينه بقلب جبال الأطلس البليدي، خاصة منطقتي جراح و واد لاخرة ، كما يذكر شيوخ بني مسعود و بني ميصرا …..

في سنة 1957 قاد البطل معركة واد المالح ،الخالدة التي قتل فيها أكثر من 100 جندي فرنسب و غنم الكثير من العتاد و الذخيرة ، معركة خلّدتها كلمات الأنشودة الثورية ، الذي كان يرددها آباؤنا و أمهاتنا …. كلمات تنسب إلى الشهيد سي رسلان ، إبن المدية رحمه الله ، و غناها الحاج رابح درياسة في رائعته، حزب الثوار …. يقول فيها :

في واد المالح
سي لخضر بجنودو فارح 
يقتل و يذبح
عسكر هاربة بلا نظام … الله ينصر

في بداية سنة 1958 كانت الولاية الرابعة في وضعية صعبة جدا : نقص الأسلحة ، تركيز الجيش الفرنسي عليها بعد معركة الجزائر ، تضييق الخناق على مداخلها و ممراتها ، أزمة الولايتين الأولى و الثالثة ، الصراعات الداخلية و اختراق صفوفها من طرف الخائن شريف بن سعيدي و جنوده و حلفائه ، فقرر قائد الولاية البطل سي امحمد بوڨرة تنظيم اجتماع مع هيئة الأركان و المسؤولين لدراسة كل التحديات و المستجدات ، توحيد الصفوف و تحديد معالم الجهاد …. كان الإجتماع بجبال تابلاط و أوكلت مهمة تأمينه لكوموندوس البطل سي عز الدين ، سي لخضر الذي كان المسؤول العسكري على الولاية الرابعة فضّل بعد انتهاء الإجتماع البقاء مع صديقه عز الدين و جنوده الأشاوس ، رغم إصرار سي امحمد على أخذه معه و مع بقية قيادة الأركان … فكان الفراق على ضفاف واد المالح … و كأن البطل سي لخضر أحس باقتراب الشهادة …….. تمكن الفرنسيون من رصد تحركات المجاهدين فقاموا بتطويق المنطقة بأكثر من 10 آلاف جندي مدعمين بالطائرات و المظليين ….. بعد أن حوصر المجاهدون لجؤوا إلى جبل بولڨرون الشامخ ( 1058 م ) الذي يقع شرق بني سليمان ، بين جواب جنوبا و القلب الكبير شمالا ( أراضي قبيلة أولاد طاعن التاريخية ) ، في فجر اليوم بدأ الإشتباك ، حسب شهادات المجاهدين البطلين مصطفى بليدي و مصطفى تونسي الذان كانا حاضرين ، كان الضباب كثيفا جدا ، أصيب سي لخضر في رقبته من الخلف بينما كان يحمل رشاشه و يصوب تجاه طائرة أخرى ، يقول سي عز الدين : أنا أصبت ب 6 شظايا لا تزال في ظهري ، و هو أصيب بشظية واحدة استشهد على إثرها …. سقط البطل مغشيا عليه و ظن الجميع أنه استشهد ، لكنه أفاق و طلب الإعانة من سي عز الدين قائلا له : أعطوني سلاحي و لا تدعوا جثتي للفرنسيين ، قدم المجاهدون له الإسعافات الأولية أثناء انتهاء المعركة بسبب تساقط البرد و الثلوج …. ثم صنعوا له نقالة من الأخشاب و البنادق و نقلوه إلى قرية اولاد زنيم جنوب الجبل …. و هي دشرة الخائن شريف بن سعيدي ……

بكى الجنود كثيرا لإحساسهم بقرب وفاة قائدهم البطل الذي أحبوه كثيرا ….. فقال لهم سي لخضر : أنا سي لخضر واحد و نلت الشهادة ، لكن تركت خلفي آلاف سي لخضر … عاهدوني على أمرين : إلتزموا بالنظام و طاعة القيادة ، و وحدة الصف ، و لا تدعوا فرنسا ترى وجهي ……. و ظل يطالب ببندقيته حتى استشهد رحمه الله تعالى داخل كوخ حجري أمازيغي ، لا تزال أطلاله إلى اليوم …… دفنه سي عز الدين ليلا في بستان البيت الذي استشهد فيه قرب الواد ، لكن في الغد نقل صاحب البيت جثمانه إلى مكان عالي حتى لا يجرفه الواد ، و خوفا أن يكتشفه الفرنسيون و يقوموا بتعذيب أهل القرية ، ثم أعيد دفنه بعد الإستقلال … البطل الذي دفن 3 مرات …. كما يردد دائما رفيقه في النظال الرائد عز الدين ، عمي رابح حفظه الله و أطال في عمره …أسد الصومام

بعد الإستقلال قامت سلطات بلدنا بتسمية مدينة باليسطرو باسم لخضرية ، تخليدا لذكرى ابنها الرمز …. لكن سيرة البطل و نضاله تم طمسهما …. و تغييب اسم البطل من كتب التاريخ و المحافل ، كأغلب أبطال الولاية الرابعة التاريخية …… البطل الشهيد سي لخضر رحمه الله ، بطل كتب التاريخ ، و رسم أروع صفحات البطولة خلال ثورتنا المباركة ….. صقر جبال زبربر الشامخة … الذي لا يزال جبايلية الأطلس البليدي يتناقلون أساطيره إلى اليوم …. و تحضرني اليوم شهادة أحد أبناء عرش بني مسعود رحمه الله تعالى ، الذي قال لي بلهجة أجداده ما معناه : كنا شبابا خلال الثورة ، كان سي لخضر بالنسبة إلينا أشبه بالأسطورة ، بالغول ( ترڨو ) ، بالشبح ….. كان يبيت الليل في جرّاح ، و نسمع في الغد أخبارا أنه شن كمينا في سور الغزلان ، أو في جبال تابلاط ، أو في جبال زبربر …. كنا نحكي بطولاته بكل فخر …. و نتمنى رؤيته و لو لمرة ، فالبطل كان حذرا جدا و لا يتنقل إلا ليلا و مع حرسه الخاص …. كتب لي ربي أن ألقاه في إحدى الليالي قرب جبل زدونا …. كان جبايليا حقيقيا … بسيطا ، متواضعا ، قوي البنية ، الإبتسامة لا تكاد تفارق وجهه …. لكنه كان في نفس الوقت شديدا و حادّا و حازما ، شديد الحفاظ على الصلاة و كان يصلي بجنوده …….. أدركت يومئذ أن المواقف هي من تجعل من الرجال أشباه أساطير …..

رحمه الله تعالى و أسكنه فسيح جنانه …. و إنا على نهجه بإذن الله سائرون … و سنناضل لتحقيق آماله و أحلامه ، و آمال كل شهدائنا و أبطالنا ، ببناء جزائر العزة و الكرامة … جزائر مستقلة عن فرنسا و عن أذنابها و عملائها … جزائر أصيلة جميلة شامخة …. جزائر الرجال ….

تحيا الجزائر

 

حرر من طرف الباحث معمر أمين
Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

Close Menu