العقيد عميروش

العقيد عميروش

البطل الذي مست تضحياته جميع مناطق الوطن حيث :

ترعرع في الولاية الخامسة (الغرب الجزائري) وعرف النضال فيها, 
خدم جمعية العلماء وسط الجالية الجزائرية في فرنسا, 
جاهد في الولاية الثالثة, وطور فيها وحدات القتال
سعى كمبعوث للصلح في الولاية الأولى (الأوراس)
تصدى للفتنة والفشل في الولاية الرابعة
إجتمع بالعقداء في الولاية الثانية لإنقاذ الثورة من الخناق
وأخيرا إستشهد في الولاية السادسة (الصحراء)

بعد كل هذه الإنجازات المتتالية والمتوالية على جميع الأصعدة والمناطق, أعلن الإستدمار الفرنسي بكل فخر يوم إستشهاده أنهم قضو على 80% من الثورة بموت عميروش !!

إسمه الكامل آيت حمودة عميروش، ولد بقرية تاسفت أوقمون بدائرة واسيف، على بعد 40 كلم من تيزي وزو, في 31 أكتوبر 1926.

كباقي الجزائريين في ذلك الوقت، كانت عائلته تعاني الفقر في ظل الاستعمار، فأخذته أمه رضيعا إلى أخواله بقرية إيغيل إيماس، ومن هناك أخذه عمّه إلى عين الدفلى، حيث يملك متجرا فترعرع في أحضان عمّه إلى أن أصبح شابا يافعا، فزوّجه إحدى بناته وكان العم يأمل أن يصبح عميروش تاجرا كبيرا مثله، فاشترى له متجرا بغليزان.

لكن الشهيد غادر التجارة سريعا واهتمّ بالسياسة، حيث انخرط في حركة انتصار الحريات الديمقراطية وأصبح بعدها عنصرا نشطا في المنظمة الخاصة – فرع غليزان.

وبفرنسا، إنضم إلى شعبة من شعب جمعية العلماء المسلمين، لم تكن له فرصة الالتحاق بالمدرسة، لكن ذكاءه وقدرته على التحصيل جعلته يتعلم الكتابة والقراءة لوحده أي أنه كان عصاميا.

ولما اكتشفت السلطات الفرنسية أمر المنظمة الخاصة، ألقت القبض عليه ومنعته من الإقامة في الجزائر مما اضطره لمغادرة أرض الوطن إلى فرنسا. لما التحق عميروش بفرنسا واصل نضاله السياسي إلى أواخر سنة 1954، ثم عاد إلى الجزائر عند اندلاع الثورة التحريرية، وقد كان مسئولا على ناحية القبائل السفلى ابتداءً من سنة 1955 وعرف بنشاطه المكثف من أجل التواصل بين المناضلين في كل مكان، كما امتاز بالحنكة في تسيير الأمور وتنظيم الصفوف.

لقد كان العقيد عميروش مكلفا بتأمين المؤتمرين والحراسة أثناء مؤتمر الصومام، هذا الأخير كان بمثابة نفس ثانٍ لحرب التحرير، وكان من بين المبلغين لقرارات مؤتمر الصومام 1956، حيث تقلد مهمة قائد الولاية الثالثة، نظرا لما امتاز به من نشاط وحيوية وكفاءة وبفضله أصبحت هذه الولاية من بين معاقل الثورة، التي ظلت القوات الاستعمارية تخشاها لزمن طويل، حيث صرح الجنرال «إدغار فور» في أحد لقاءاته:

«أن القضاء على عميروش يعني القضاء على 80 من المئة، من الثورة في بلاد القبائل».

إستشهاده

انتقل الشهيد إلى تونس سنة 1957، رفقة العقيد سي الحواس ومجموعة من المجاهدين، لا يتعدى عددهم الأربعين رجلا، وعند وصوله إلى جبل ثامر قرب مدينة بوسعادة، حاصر العدو المكان، وشاء القدر أن يستشهد العقيد عميروش وسي الحواس، ومن معهما من المجاهدين في هذه المعركة، بتاريخ 29 مارس 1959.

أقوال القادة الكبار عن عميروش أيت حمودة

قال عنه”سليمان محمد” الذي يدعى “مح وعلي”، وكان رائدا في جيش التحرير الوطني، ولزم
عميروش مدة وقال عن نشاطه وحركته:

“إنه يستطيع أن يطوف بالولاية ويراقبها قسما قسما في أقل من أسبوع رغم وجود الجيش الفرنسي في كل مكان كان شغوفا بالنظام، لا يتغيب عن الإجتماعات إلا لضرورة قاهرة ويؤدب من يتغيب عنها، وكان يقول:

أن الإجتماعات هي مدرستنا الوحيدة للتكوين سياسيا وعسكريا، وكان عدلا في كل أحكامه وتصرفاته حسبك أنه يحاسب نفسه قبل أن يحاسب غيره، وكان لا يتناول الطعام حتى يطمئن بأن الجنود قد أكلوا، كان لا ينام أبدا في المخابئ والمغارات ويقول:

“من العار أن أموت داخل مغارة”.

وكان لا يثق كثيرا  بالأخبار التي يسمعها عن تحركات الجيش الفرنسي ويفضل الوقوف على الحقيقة بنفسه”

عبد العزيز وعلي، أحداث ووقائع في تاريخ ثورة التحرير بالوالية الثالثة، – ص.408 -409

وسئل قائد ثوري عن عميروش وكان بينهما سوء تفاهم في قضية وطنية، ثم إستشهد عميروش دون أن يصفو الجو بينهما فقال بعد إطراقة مؤثرة:

“كان عميروش يعطي كل طاقته للثورة، ولا يطمع في شيء، ولا تراه يوما يضع نفسه عند قدرها بل هو متواضع مع كل أحد، وقريب من كل أحد، كثير التحمل للمتاعب والمشاق ذكي إلى حد بعيد، مرهف الحس للغاية، رزين الطبع ولكن في شموخ وأبهة تدرك وجوده وإن لم تره ولم يتنبأ به وذلك بما يفرضه على المحيط الذي يحل فيه من حيوية وحركة ونشاط ينتصر للحق ولو كان وحده في الميدان يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال،

إذا رأى تهاونا في أمر، أو انتهاكا لحرمة أو هزال في جد، أو سخرية أحد من أحد ثار ثائره وانفجر بركانه ولكنه مع ذلك عدل في أحكامه فلا يقسو ولا يجور، ولا ينحط مستواه كقائد”

سعيد بورنان، شخصيات بارزة في كفاح الجزائر 1830-1962 ،ج.3 ،ص-ص.161-162.

ثباته وتدينه

ذكر محمد الطاهر آيت علجات الذي عمل لعدة سنوات مع عميروش الذي كلفه بالقضاء في صفوف جيش التحرير الوطني وفك الخصومات بين الناس:

“يمتاز عميروش بالنظرة البعيدة, يفكر في مستقبل الجزائر وهو الوحيد من قادة الولايات آنذاك الذي بعث بالطلبة إلى الخارج وأنفق عليهم من مال الثورة ليواصلوا تعليمهم. كان يحب الجزائر ويحب الإسلام والعربية حبا جما و يكره الدروشة ويكره الخضوع والخنوع، وكان يريد أن يبقى الإسلام صحيحا نقيا لا تشوبه شائبة، ويود أن ينشر هذه الروح بين جنوده

فكان جنوده كلهم يصلون جماعة وكانوا يتلقون دروسا من مرشدين ووعاظ يلزمونهم ويرشدونهم.
يمتاز بالتدين والتواضع، يكره كل الكراهية العنصرية ويحارب الجهوية حريص على غرس روح الأخوة والمحبة والتعاون بين جنوده”

أصدرت جبهة التحرير الوطني إثر استشهاد البطلين بيانا إلى جيش التحرير الوطني نشر في جريدة المجاهد اللسان المركزي لجبهة التحرير جاء فيه عن الشهيد عميروش ما يلي:

“كان عميروش ذا إرادة قوية وتنظيم محكم صير بهما ولايته مثال يحتذى، واستطاع أن يتلاعب بأعدائه ويجعل جنرالات فرنسيين يفشلون أكثر من مرة أمامه، كما استطاع أن يصير أجهزة الدعاية النفسية الفرنسية موضع السخرية المتكررة… كان عميروش بخصاله كقائد وكرجل وكوطني مثال لكل جزائري

المتمرد

يذكر بوسعد:

“أن أخاه عميروش خرج في يوم من الأيام متجها إلى مدينة سيق قرب معسكر يحمل معه بعض البضائع ينوي بيعها هناك، وعند وصوله إلى محطة القطار وبسبب لحيته التي كان يعتني بها آنذاك طلب منه أحد رجال الشرطة الفرنسية تقديم وثائقه فرفض مما عرضه للإعتقال والسجن مدة ثلاثة أشهر، وبعد خروجه من الحبس إستقر بغليزان حوالي ستة أو سبعة أشهر يمارس نشاطه المهني والسياسي بمحله”

همته

أما المجاهد عبد العزيز وعلي الذي عمل مع عميروش في الجبل عدة سنوات خالل الثورة المسلحة فقد أكد في رسالة بتاريخ 11 نوفمبر 1995م:

“بأن الشخص الذي اعتدى على عميروش وكسر سنيه في باريس هو “حمو أوقبشون” الذي التحق بالثورة في وادي الصومام وعمل تحت قيادة عميروش نفسه الذي رقاه إلى رتبة ملازم وأصبحا زميلين وصديقين لأن الثورة محت تلك الخلافات والخصومات الشخصية”

إنضباطه

كتب عنه الأستاذ بشير إزمران كاتب الشعبة المركزية لجمعية العلماء، إذ ختم كلامه عن إحدى إحتفالات الجمعية بباريس بقوله:

“أما النظام الدقيق الحازم الذي إبتدئ به الحفل و ُختم فحدث عن البحر ولا حرج, وبهذه المناسبة نتقدم بالشكر الجزيل إلى أخينا عميروش آيت حمودة رئيس شعبة القسم الخامس عشر بباريس، والرئيس الدائم للفرقة المحافظة على النظام في سائر حفلاتنا وإلى جميع إخواننا وأعواننا من شباب الإصلاح لما أبدوه من مهارة فّذة وكفاءة ممتازة في التنظيم”

هذا الرجل الذي ضرب وأهين ولم يقبل حتى أن ينظم إلى الثورة في بدايتها لأنه فر من حركة انتصار الحريات والتحق بجمعية العلماء سيصبح أبرز قائد ميداني في الولاية الثالثة على الإطلاق

ورغم أن القادة الذين سمحو له بالإنظام إلى الثورة وكانوا أكثر أقدمية في الجبال منذ 1947 وقدمو له الترقيات, فقد تفوق عليهم عميروش ميدانيا, وحقق نتائج باهرة

كما كتب مؤلف فرنسي في عام 1962م:

“إن عميروش تتوفر فيه جميع الشروط التي يمكن أن تؤهله لأن يتبوأ الريادة في جبهة التحرير، فطن ومشكك مثل بن بولعيد، شديد وقاسي مثل بن طوبال، لكنه فروسي شهم مثل زيغود يوسف, غامض ومتباهي مثل كريم بلقاسم، ساحر العقول مثل عبان رمضان، نزق وبيروقراطي مثل شريف محمود، مهووس مثل رابح بيطاط لكنه جريء وطموح مثله، وأخيرا شعبي مثل بن مهيدي، عميروش كان لوحده خلاصة كل هذه الخصال وهذا هو سر شهرته الأسطورية، لم يكن عميروش متفوقا في أي شيء على زملاءه، لكن كل ما في الأمر أنه يجمع في شخص واحد مناقبهم وعيوبهم”

ويذكر عبد الحفيظ أمقران الحسني:

“وفي يوم 19 سبتمبر 1954م التقيت في مكان ما بإحدى حدائق باريس مع صديقي عميروش وكان لقاء وداع حين عزمت على العودة إلى الجزائر، وكانت كلمته الأخيرة حين تبادل تحية الوداع إلى اللقاء القريب بيننا في معاقل الثورة التحريرية، بدون أن يعرف أحدنا موعد وتاريخ تفجيرها وكل ما عرفناه أنها قريبة وشيكة الوقوع في أقرب وقت بعد إنشاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل”

إلتحاقه بالثورة

ويذكر العقيد أعمر أوعمران في حديث له خلال الملتقى الوطني الأول لكتابة تاريخ الثورة في أكتوبر 1981م عن كيفية التحاق عميروش بالثورة:

“إنه من قرية يقال لها “أقوفانث”، جاءنا عمر آيت الشيخ الذي كان المسؤول السياسي والعسكري في ميشلي “عين الحمام” ولحق بنا كذلك عميروش الذي رفضنا قبوله في أول نوفمبر لأنه كان في حركة إنتصار للحريات الديمقراطية لكنه أبعد عنها فالتحق بصفوف جمعية العلماء، وعندما إلتحق بنا هذه المرة ألحقناه بالشيخ عمر آيت الشيخ الذي كان هاربا من الشرطة منذ عام 1947م وقلنا لهم:

توجهوا إلى الصومام لتقوموا بالجهاد هناك وفعلا فقد قاموا بالواجب وأكثر من الواجب، وقد أعطيناهم بعض الرشاشات التي يبلغ عددها 50 رشاشا، كنا إشتريناها في سنتي 1945م- 1946م وأخفيناها.

أما عن صعوده إلى الجبل فتجتمع المصادر أنه التحق بالثورة في المنطقة الثالثة أي منطقة القبائل، وكان على رأس فرقة من الفدائيين هجمت على معسكر العدو في تيزي الجامع بالقرب من عين الحمام ميشلي سابقا,

وأنه جند من طرف السيد أعمر الشيخ وعمل معه مدة من الزمن لم تزد عن أربعة أشهر وهي المدة التي برهن فيها عميروش عن نشاط وحيوية وذكاء عملي هام في ميدان العمل التحسيسي التنظيمي من جهة والعسكري القتالي من جهة أخرى،

حيث يؤكد المجاهد محمد وأعمر بن الحاج رفيق عميروش في تلك المرحلة أنه شارك معه بفعالية كبيرة وشجاعة فائقة في الهجوم على مركز تيزي الجامع العسكري في جانفي 1955م، تحت قيادة سي الطاهر بعبوش مسؤول الناحية والذي أحدث وقعا حسنا في المنطقة إذ أعطى دفعا قويا وهاما للثورة لأنه برهن على جديتها وقوتها عكس ما كان يشاع عنها آنذاك من طرف االستعمار وأعوانه من تجريح وتشويه وتعريض.

مع بداية تجنيده أبدى عمير وش قدرة كبيرة في تنظيم الجهاد مما جعله يتدرج في المسؤوليات بالمنطقة، وكذا قربه من أعمر الشيخ قائده المباشر بمنطقة عين الحمام الذي أعجب به وبنشاطه وشجاعته وحرصه على النجاح في المهام التي أوكلت إليه بالمنطقة في أواخر 1954م ومطلع 1955م والمتمثلة في بعض الهجومات والعمليات،

كما كلف بصحبة شاب آخر بتبليغ أربعة رشاشات وتوزيعها على جنود ناحية الصومام بالقبائل الصغرى الذين لم يتمكنوا من المشاركة في عمليات أول نوفمبر، هذا إلى جانب تكوين عميروش السياسي والعسكري العالي آنذاك لكونه مناضال قديما وذا خبرة ودراية عاليتين في التنظيم والهيكلة والتأطير، مما أهله للمشاركة بفعالية في وضع قاعدة متينة للثورة عن طريق كسب التأييد لها ونشرها في المنطقة

و قد تميز عميروش وهو قائد الوالية آنذاك حسب شهادة أحد رفاقه في الثورة المدعو سي موح وعلي:

“بأنه كان ذا شخصية قوية عميقة الإيمان باهلل ناصر الحق وأن ثقته بنفسه كبيرة، كما كان كثير النشاط والحركة السريعة واليقظة والحيطة واحترام الجندي البسيط شغوفا بالنظام واال نضباط؛ قوي الإيمان بأن الثورة ستنتصر وستتغلب على كل الصعوبات،

وكان عميروش لا يستهين بالعدو يستغل الوقت وطاقات رجاله وكفاءاتهم وينزل الناس منازلهم و لا يعطي السلاح من لا يستحقه ولا يوزع الرتب بالمجان، بل إنه من الصعب أن يتحصل مجاهد من يده على رتبة أو ترقية دون أن يظهر جدارته بها وكان أيضا شغوفا بالنظام، ويرجع نجاحه في أغلب الأحيان إلى حبه للنظام وتطبيقه له ولا يتغيب عن الإجتماعات إلا لضرورة قصوى؛ ويؤنب من يتغيبون عنها وكان يقول: “إن الإجتماعات مدرستنا الوحيدة للتكوين سياسيا وعسكريا””

وفي قوله في اجتماع ترأسه سنة 1958م بمنطقة أكفادو:

“اعلموا أن الثورة ما زالت في البداية، وأن المشوار مازال طويلا وشاقا وخطيرا، وإحتياجنا إلى السلاح أشد من الإحتياج إلى المأكل والملبس…فعلى قادة الكتائب والفصائل أن يضعوا نصب أعينهم قضية الحصول على السلاح … وليكن أدنى عدد تغنمه كل كتيبة في الميدان شهريا هو 21 سلاحا”

ثم تطرق إلى دوريات السلاح فقال:

“إن الإعتماد على هذه الدوريات في قضية التسليح يكلفنا خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وخاصة في هذه السنة – سنة 1958م – بعد شراسة العدو في منطقة الحدود وخطورة الخطين المكهربين وحقول الألغام والعمليات الضخمة التي يلاحق بها العدو والكتائب الداخلة من تونس وغير ذلك من العراقيل الخطيرة

وأنا أفضل تعويض تلك الدوريات بكتائب الهجوم على مراكز العدو, إني على يقين من أن تنفيذ المهمة من أجل إفتكاك الأسلحة، سيكون أسهل من إقتحام خطي موريس وشال.

 

 صور للعقيد الشهيد عميروش

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on skype
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

Close Menu