العلاقات النوميدو- قرطاجية – الرومانية

العلاقات النوميدو- قرطاجية – الرومانية
خلال الحرب البونيقية الثانية
(218-201 ق.م): قراءة في المصادر

بقلم : محمد الهادي حارش
استاذ التاريخ والحضارات القديمة
جامعة الجزائر2

شهدت الحرب البونيقية الثانية (218-201 ق.م) أحداثا كثيرة ومتسارعة، وفي مجالات شتى، العسكرية منها والسياسية والدبلوماسية بالخصوص، لا شك أنها أثرت بشكل أو آخر على مواقف الفاعلين السياسيين، وهي مواقف تترواح في مصادرنا بين الشهامة والأباء. (Superbia Romana) من جهة والنية البونيقية (infidum poenicum) من الجهة الأخرى، وهو مانريد ترصده ومعرفة مدى صدق تلك المصادر في التعامل مع المادة الخبرية المتوفرة، ومدى توجيهها لبث السيبيريا-رومانا، التي تمثل سمو العوطف والشهامة والإباء عند هؤلاء الرومان والانفيديوم (Infidum)، التي تعنى الغدر والخيانة والنكث بالوعد عند الغير، حتى لو كانت الصورة عكسية، في اطار بناء الهوية وتبيان سمو الاخلاق الرومانية، وإحاطتها بهالة من التقديس عند ليفيوس بالخصوص، واعتبار باقي الشعوب همج لادين ولا ملة لهم، جلبوا على المكر والخديعة والخيانة والنكث بالوعد (ليفيوس وسالوستيوس).


نحاول في هذه العجالة، القيام بقراءة مختصرة لأحداث كثيرة ومتشعبة، نتعرف من خلالها على بعض الأحداث والمواقف منها، والغوص فيها لمعرفة النوايا البونيقية منها والسيبيريا-رومانا.
أول تلك الأحداث، هو لقاء سيقا سنة 206 ق.م الذي جمع فيه سيفاكس في قصره بسيقا قائدي أكبر قوتين في ذلك الوقت، روما وقرطاجة، كانت كل منهما تسعى لكسب سيفاكس والتحالف معه.


أول تساؤل نقدمه حول هذا اللقاء، هو هل تم اللقاء صدفة فعلا أم كان محضرا؟
طبعا بالنسبة لتيتوس ليفيوس، تكون الصدفة هي التي جمعت القائدين في سيقا، إذ كان دخول هاصدروبعل إلى ميناء سيقا والرسو في هذه الفترة بالذات صدفة، كما جمعتهما الصدفة تحت السقف نفسه، وتحت حماية الشخص نفسه (ليفيوس 18-17, 3, XXVIII)، لكن ليفيوس نسى أو تناسى أن حضور سكيبيو إلى سيقا كان مبرمجا مادام هذا الأخير، قد سبق له أن أرسل ليليوس (ليفيوس 17, 3, XXVIII)، لتنظيم هذا اللقاء، لكن ليفيوس في اطار ” السيبيريا-رومانا” من الشائن في رأيه أن يتسابق القائدين للتوسط بهذا الملك البارباري، ويسعي كل منهما لكسب رضاه.


يذكر ليفيوس (17, 3, XXVIII)، أن سيفاكس، كان حليفا للقرطاجيين في هذه الفترة، لكن لا يولي لذلك أهمية، ما دام يفترض أن البرابرة لا يعقدون المعاهدات إخلاصا وإنما وفقا للظروف، وما دام الملك، يرى أن وضع الرومان، كان جيدا، بينما كان القرطاجيون المهددون في إيطاليا، قد فقدوا إسبانيا، الأمر الذي جعله ينقلب عليهم (النية البونيقية)، ويقبل التحالف مع روما، شريطة حضور القائد سكيبيو، قبل أن يشير إلى أن سيفاكس يشكل وسيلة نجاح هامة جدا، مادام قد حارب إلى جانب القرطاجيين، وبلاده المقابلة لشبه جزيرة إيبيريا، ذات أهمية إستراتيجية بالنظر إلى قربها من إسبانيا، ما جعل سكيبيو، يرى أن التحالف مع سيفاكس، يستحق منه بعض المجازفة (السيبيريا-رومانا).


فيما ذكره ليفيوس، يمكن الإشارة إلى نقطتين هامتين: أولا الأهمية الإستراتيجية لمملكة المازيسيل بقربها من اسبانيا من ناحية وعظمة وقوة سيفاكس الذي اعتبره ليفيوس في موضع أخر، أكبر وأعظم ملوك عصره، وكذا إبيانوس(Lib. X, 36)، فيكون هذا هو الدافع إلى التقرب منه من الطرفين المتصارعين، ومحاولة كل طرف كسبه إلى صفه.


أما قول ليفيوس، أن القرطاجيين، كانو مهددين في إيطاليا، فرغم أن وضع حنبعل سنة 206 ق.م لم يكن وضعا مريحا في البروتيوم، وهو شأن شقيقه ماقون في ليقوريا، لكن كان وجودهما في إيطاليا وحده، يشكل خطرا دائما على روما وكان وجودهما في إيطاليا سببا في موقف مجلس الشيوخ المعارض لمشروع حملة سكيبيو على افريقيا بقوة، إذ كان الكثير منهم، يرى ضرورة إبعاد حنبعل عن إيطاليا، قبل التفكير في كل شيء آخر (ليفيوس 45-40, 4, XXVIII).

أما أن يكون سيفاكس حليفا للقرطاجيين في هذه الفترة، فهو من وحي خيال ليفيوس، وتماشيا مع النية البونيقية، إذ عرفنا من ليفيوس (49-48, XXIV)، وإبيانوس(16-15.Iber)، أن حربا إندلعت بين سيفاكس وقرطاجة ترتب عنها، دعوة الأخيرة لهاصدروبعل مع جزء من قواته، للعودة من إسبانيا لمحاربة الملك سيفاكس الذي هاجم القرطاجيين، ويؤكد ليفيوس، أن الأخوين سكيبيو (بوبليوس وكينيوس) علما في سنة 213 ق .م، أن سيفاكس قد إنقلب فجأة على قرطاجة، وأصبح عدوا لها، فأرسلا له ثلاثة من قادة المائة لعقد التحالف معه، وإذا كان ابيانوس (16 .Iber)، قد أشار إلى عودة السلم بين قرطاجة وسيفاكس سنة 212ق.م، فإن ليفيوس نفسه أشار (9-5, 4, XXVII)، إلى إرسال سيفاكس لسفارة إلى روما سنة 210 ق.م، لتذكير مجلس الشيوخ بعلاقاته مع الأخوين سكيبيو، واستعراض إنتصاراته على القرطاجيين، وحتى إبيانوس (Lib. X, 38)، أشار لغارة سيفاكس على الأراضي القرطاجية بعد هذه السنة.

تكون هده الغارة حسبه، بسبب غيظ سيفاكس من هاصدروبعل بن جيسكون، الذي وعد ماسينيسا بتزويجه صفان –بعل التي كان سيفاكس مولع بها، لكن نلاحظ أن إبيانوس، قد أدخل صفان-بعل للمشهد قبل الأوان كما عبر عن ذالك قزال (ج .3،ص.182،رقم 6 ).

وهكذا نلاحظ أن سيفاكس لم يقترب من قرطاجة إلا بعد ثلاث أو أربع سنوات من آخر إحتكاك عسكري بينهما، سنة 206 ق.م، أي أثناء وبعد لقاء سيقا، ويكون ذالك نتيجة تعنت الرومان، وموقفهم من اقتراحاته لفك النزاع، ولم يكن نتيجة نقص الإخلاص أو النكث بالوعد كما يحاول ليفيوس الإيحاء به (17, 3, XXVIII).

وبناء على ليفيوس (18, 3, XXVIII)، يكون سكيبيو قد عقد حلفا مع الملك سيفاكس أثناء تنقله إلى سيقا (Foedere ieto cum Syphace) (ليفيوس 9-18, 13, XXX, 6, 23, XXIX)، ولا يمكننا طبعا التنبؤ بمحتواه، ولا بالتزامات كل طرف، ما دام ليفيوس قد سكت عن ذلك، بل نتساءل كيف عقد هذا الحلف بغير علم هاصدروبعل، ونحن نعرف أن هذا الأخير، قد غادر سيقا بعد بوبليوس، ويزعم إبيانوس (Iber, 30) أن القرطاجيين خططوا من جديد لمهاجمة القائد الروماني عند مغادرته (النية البونيقية)، لكن سيفاكس أبقاهم الوقت الضروري، الذي يسمح لبوبليوس بالإفلات.

إستقبل سيفاكس إذن قائدي أقوى أمتين آنذاك، قادمين إليه لا في اليوم نفسه، وإنما في التوقيت نفسه بالتقريب، ما دام هاصدروبعل لم ينزل بعد عندما وصل سكيبيو، وبعد الاستقبال من الملك، أراد هذا الأخير أن ينظم مؤتمرا على أمل أن يضع حدا للعدوان، لكن سكيبيو رفض بلباقة: “لا يكن للقرطاجي أي كره أو حقد، لكنه لا يستطيع أن يتحادث مع العدو، حول مسألة ذات الصالح العام. دون إذن مجلس الشيوخ”

بهذه الطريقة يقدم لنا ليفيوس لقاء سيقا، ليبين لنا إحترام سكيبو للمؤسسات الرومانية، فهو لن يتفاوض لكونه لم يحصل على الإذن، لكن قَبِلَ تناول وجبة الغذاء مع هاصدروبعل رفقة الملك، أظهر أثناءها لباقة كبيرة، وذوقا ورقة لدرجة أنه كسب بمتعة حديثه، لا ود سيفاكس البارباري الجاهل للمجاملة الرومانية، وإنما حتى ود هاصدروبعل العدو اللذوذ لروما، الذي لم يخف أن هذا اللقاء أثر عليه، أكثر من مآثر سيكبيو، والذي تأكد أن سيفاكس ومملكته سينحازون إلى الرومان من فرط تأثير هذا الرجل، فرأى أنه لا يجب على القرطاجيين التفكير في كيفية فقدان إسبانيا، بقدر التفكير في كيفية حماية إفريقيا، فمثل هذا القائد الكبير لم يترك إسبانيا ليمر إلى إفريقيا من أجل متعة السفر وجمال الشواطئ، إذا كان قد جازف بالإتيان إلى بلد العدو، وأن يضع نفسه تحت تصرف الملك، دون أية التزامات، فيعني أن له طموح إحتلال إفريقيا. كان سكبيو يفكر ويحلم منذ مدة طويلة، ويتألم بألا يقوم بالحرب في إفريقيا (السيبيريا-رومانا)، مثلما فعل حنبعل في إيطاليا. (ليفيوس 18, 3, XXVIII).

الجدير بالملاحظة هنا ان مسألة بناء الهوية، مسألة مركزية في عمل ليفيوس، وما دامت الهوية في رأيه ليس لها قوام إلا بالقياس إلى الآخر، من هنا يكون سكيبيو هو النموذج الروماني والآخر هو سيفاكس وهاصدروبعل،

وما دام هدفه النهائي هو تعظيم الشخصية النموذجية التي تجسد الفضائل الرومانية: العدل، الاعتدال، الحكمة والشجاعة، طبعا يبدأ هنا ليفيوس في بناء هذه الشخصية حول سكيبيو مقابل سيفاكس البارباري وهاصدروبعل الساذج،

لكن نتساءل، هل حصل سكيبيو على إذن الانتقال إلى نوميديا والتفاوض مع سيفاكس، وهل حصل على إذن لقاء هاصدروبعل وتناول وجبة الغذاء مع العدو اللذوذ لروما كما وصفه ليفيوس؟ كلها أسئلة نطرحها، ولن يجيب عنها ليفيوس، الذي قدم لنا سيفاكس كأكبر ملوك عصره في البداية، ثم الحديث عن الاحساس بالشرف الذي انتابه،

بقدوم قائدي أكبر قوتين آنذاك إليه (18, 3, XXVIII)، فحز في نفسه أن يواصل تقديمه في هذه ” الصورة “، وهي ” الصورة ” التي يستحقها فعلا، لانه لو لم يكن في وضع القادر على التوسط بين القوتين لما تسارعتا إلى كسب وده والتوسط به، ولا يمكن أن يطلب ود الضعفاء، ولا طلب وساطتهم بين الاقوياء فأراد ليفيوس أن ينزع هذه “الصورة” عن سيفاكس، خاصة أنه أبدى ثباتا في المواقف، التي رآها عادلة بين الطرفين منذ نزول الرومان بإفريقيا: “يجب على القرطاجيين الجلاء عن إيطاليا، والرومان الجلاء عن إفريقيا، ويبقى هؤلاء وأولئك أسيادا على ما يملكون خارج المنطقتين”. (إبيانوس، 70, XVII، ليفيوس، 1, 3, XXX) .


لاشك ان هذه الشروط، كانت منصفة للطرفين، منصفة لقرطاجة التي عجزت عن حسم الحرب في

إيطاليا، وحتى إذا افترضنا انتصارها في إفريقيا، فهي غير قادرة على استرجاع ممتلكاتها السابقة في إسبانيا، سردينيا وصقلية، كما أنها شروط منصفة لروما، لأنها تتخلص من حنبعل وماقون الجاثمان في إيطاليا، وتحتفظ بإسبانيا كتعويض الحرب، لكنها شروط لا تناسب سكيبيو (بوليبيوس،10,1,XIV، ليفيوس،1,3,XXX)، رغم وضعه الحرج، فلم ينقاد لمغادرة إفريقيا، قبل أن ينجز بها أعمالا باهرة ممجدة له، وربما رأى أيضا وجوب فرض معاهدة على قرطاجة تنزع منها الأمل في الانتقام (السيبيريا- رومانا) (Gsell. S, 2013, P.223)،

طبعا هنا فكرة الانتقام، التي غرسها هاميلكار برقة، الرافض لنتائج الحرب البونيقية الأولى (264-241 ق.م)، في الطفل حنبعل ذي التسع سنوات، والذي سيكون سببا في الحرب الثانية (218-201 ق.م)، التي سماها بوليبيوس (2, 1, III) بحرب حنبعل إشارة إلى كونه المتسبب فيها (حارش م. 2014، ص.12-25 )

إذن سيفاكس لم ينحاز الى طرف على حساب الطرف الآخر، ولم تتحكم فيه “النية البونيقية” وأن هذه الاستمرارية في الدبلوماسية التي رسمها منذ لقاء سيقا صائفة 206 ق.م، تدل على سمو الموقف السياسي للملك، الذي أدرك أن بقاء واستمرارية “مملكة نوميديا” مهما كان يتطلب الحفاظ على التوازن، بين روما وقرطاجة، فكان بالنسبة له، دوام واستمرار المدينة البونيقية، حتى وهي محرومة من امبراطوريتها خارج افريقيا ضروري لهذا التوازن، مما يجعلنا نعتقد أن ذلك كان وراء هذه المساعي الحميدة فعلا، ولم يكن سيفاكس ملتزما تجاه قرطاجة، ومحاولاته التوسط والصلح بين الطرفين، لم تكن خداعا من طرفه (النية البونيقية) مثلما يحاول إبيانوس الايحاء به.


ولاشك أن إبيانوس (17 et 14 .Lib) وديون كاسيوس (شذرة 56، 67)، قد تجنيا على الملك سيفاكس عندما يقدمانه على أنه لم يظهر موقفه من الطرفين، حتى بعد نزول الرومان بإفريقيا بناء على ديون كاسيوس (67،56)، فهو لم يعلن انضمامه بصراحة ووضوح إلا بعد الخيانة المزعومة لماسينيسا، وبناء على إبيانوس (18-17.Lib) فيما بعد ذالك أيضا،

ونحن نعلم أن سيفاكس أرسل سفارة في ربيع 204 إلى سكبيو الموجود آنذاك في سرقوسة بصقلية، ليعلمه بتحالفه مع قرطاجة وعزمه الاتحاد معها ضد الرومان، ان نزل هؤلاء بإفريقيا (ليفيوس24, 3, XXIX )، وأنه سيجد نفسه مضطرا للدفاع عن إفريقيا، مسقط رأسه ووطنه (ليفيوس23, 3, XXIX)، والمحاولة التي أبداها للتقرب من الملك ماسينيسا، تدخل في هذا الإطار، وحتى إستجابة ماسينيسا لا شك تدخل في إطار سياسة التوازن تلك، وليس كما يقول إبيانوس(Lib. XIII, 53) رد أو مقابلة الخديعة بالخديعة.

هكذا نلاحظ ان سياسة سيفاكس، كانت سياسة ملك على وعي أن استقلال مملكته مرتبط بتوازن القوى بين القوتين الكبيرتين المتنازعتين، لذلك عمل على التوسط بين الجانبين لوقف الحرب، حتى يجنب نوميديا ويلات حرب مدمرة، لذلك سعى بكل ما أوتي من قوة للحيلولة دون نقل الحرب إلى إفريقيا، إدراكا منه لما يسببه ذلك من دمار.

والحد الآخر هو زواج سيفاكس من صفان-بعل (صوفونيزبة/Sophonisbe)، التي أسند لها في الأحداث دور أكبر مما تطيق، وقد جعل إبيانوس من إبنة هاصدروبعل الرهان الأهم في المواجهة بين سيفاكس وماسينيسا، فبناء على ابيانوس (Lib. X,37-40 ; Iber. XXXVII, 150)، يكون سيفاكس المولع بالفتاة، قد اغتاظ بعد خطبتها لماسينيسا، فاعتدى على الأراضي القرطاجية، وعقد حلفا مع سكبيو الذي قدم عن طريق البحر للقائه،

وعندما علم القرطاجيون، وكانوا حريصين على ضم سيفاكس في حربهم ضد روما، زوجوه بالفتاة دون علم والدها وماسينيسا الموجودان في إسبانيا، شعر ماسينيسا بحزن شديد، وعقد هو الآخر اتفاقا مع سكبيو في إيبيريا، دون علم هاصدروبعل، كما كان يعتقد على الأقل (إبيانوس40-37, X, ).


إذا كان من المؤكد ان زواج سيفاكس بصفان-بعل (Safanbaal) هو زواج دبلوماسي، الغرض منه هو كسب صداقة سيفاكس وقد أشار ليفيوس (18-17, 3, XXVIII)، إلى اهمية موقع مملكة المازيسيل الاستراتيجي، القريب والمقابل لإسبانيا، مما يسهل ايصال الامدادات للقوات القرطاجية المرابطة في شبه جزيرة ايبيريا.

لكن مهما يقول إبيانوس (Lib. X,37-40 ; Iber. XXXVII, 150)، لا يمكننا التصديق أن ذلك تم دون علم والدها، هذا من جهة ومن جهة أخرى، نلاحظ أن الاتفاق المشار إليه بين سيفاكس وسكيبيو، يفترض أنه عقد أثناء لقاء سيقا صائفة سنة 206 ق.م.، وكان سيفاكس قد بذل جهدا آنذاك لمجاملة وإرضاء الطرفين، وحرص على الحياد، ولم يكن معاديا ولا حليفا لأي طرف، ولم يكن هذا الزواج قد تم بعد، لذلك نقدم الملاحظات التالية :


1) بناء على ابيانوس (Lib. X,37-40)، كان هذا الزواج يضمن للقرطاجيين دعم ملك المازيسيل ضد روما، خلاف ذالك كان مهينا لماسينيسا، الذي سينتقم بالانضمام إلى الرومان، لكن هذا غير صحيح، لأن زواج سيفاكس من صفان-بعل كان قد وقع في تاريخ متأخر (أواخر سنة 205 ق.م) مثلما يشير إلى ذالك ليفيوس (23, 3, XXIX)، ولم يَعْتدِ سيفاكس على الأراضي القرطاجية في هذه الفترة ولا بعدها، ونحن نعرف أنه عندما جاء هاصدروبعل إلى لقاء سيقا صائفة 206 ق.م. لم يكن صهرا للملك سيفاكس، بينما كان ماسينيسا قد التقى سيلانوس في ربيع تلك السنة، على اثر نكبة القرطاجيين في معركة ايليبا (Ilipa) (ليفيوس17-16, 3, XXVII )، مما يعني أن تقدير ماسينيسا للموقف العسكري في إسبانيا كان صائبا، وأدرك ان مآل الحرب في غير صالح القرطاجيين.


2) يعتبر إبيانوس زواج صفان-بعل مع سيفاكس السبب المباشر لانقلاب ماسينيسا ضد قرطاجة، رغم أن إبيانوس نفسه (Lib. X, 37) يضع هذا الزواج بعد زيارة سكيبيو لسيقا صائفة 206 ق.م.، واتصالات ماسينيسا بالرومان، بدأت ربيع تلك السنة، أي قبيل هذه الزيارة، مما يبعد هذا الزواج عن ردة ماسينيسا لكن ديون كاسيوس يشير إلى افتراض آخر لهده الردة، بعد وفاة والد هذا الأخير، يكون هاصدروبعل قد ساعد سيفاكس على وضع اليد على مملكة الماسيل، لكن بناء على رواية ليفيوس (31, 3 XXIX)، لم يشرع سيفاكس في التوسع في أراضي الماسيل إلا لاحقا في أواخر سنة 205 ق .م.


3) ردة ماسينيسا، لم يكن سببها زواج سيفاكس من صفان-بعل، ويكون ديودور الصقلي (7, XXVII)، هو الوحيد الذي يزعم ان صفان-بعل زوجت أولا بماسينيسا، قبل أن تزوج بملك المازيسيل (قزال، ج. 3، ص.197، رقم 5)، عكس ذالك يشير ليفيوس (23, 4, XXIX)، إلى انها كانت شابة صغيرة عند ارتباطها بسيفاكس ولم تبلغ سن الزواج (et depuis peu nubile) إلا حديثا، وإذا عرفنا أن سن الزواج آنذاك. كان مبكرا أدركنا سن هذه الفتاة عندما تزوجها سيفاكس.


4) يفهم من ليفيوس (12-11, XXX) أنها رأت ماسينيسا لأول مرة عند عتبة القصر الملكي في قرطن (قسنطينة) سنة 203 ق.م، ما دامت لم تتعرف عليه وسط مرافقيه إلا بسلاحه وخاصة بوقاره.


5) كان ليفيوس بدوره قد تساءل عن الأسباب التي دفعت ماسينيسا إلى هذا التحول في تلك الفترة، مع اعتقاده أن ذلك تم لأسباب وجيهة في رأيه رغم أنه يحاول الايحاء لنا ان ماسينيسا، بدأ يميل إلى الرومان منذ ما أسماه بالبادرة الطيبة، التي قام بها سكيبيو عند إطلاق سراح ماسيوا (Massiva) إبن شقيقة أو شقيق ماسينيسا *وهو ما توحي به الكلمة، التي القاها هذا الأخير في محضر سكيبيو، ويفهم من ليفيوس دائما أن ماسينيسا تقرب من الرومان وعرض خدماته عليهم إحساسا منه بواجب رد الجميل.


6) تساءل البعض عن دوافع الانقلاب -بلغة عصرنا- الذي قام به مازوطيل ضد ماسينيسا، إن لم يكن هدفه إبعاد هذا الأخير عن العرش النوميدي بهدف بناء جبهة داخلية متماسكة ضد روما بعد علم قرطاجة وسيفاكس ومازوطيل باتصالات ماسينيسا بالقيادة الرومانية في إسبانيا،

لكن هذه الاتصالات بدورها، كانت متأخرة عن لقاء سيقا صائفة 206، ما دام ماسينيسا التقى سكيبيو في ضواحي قادس في أواخر خريف هذه السنة وقد وصله خبر اغتيال كابوسن، وتنصيب لاكومازن وهو في إسبانيا في الفترة نفسها، الأمر الذي يجعلنا نتساءل إن كان ماسينيسا من إنقلب على قرطاجة أم قرطاجة هي التي انقلبت عليه، وقد أورد لنا إبيانوس نصا على لسان هاصدروبعل، يحذر فيه سيفاكس من طموح ومؤهلات هذا الرجل، الذي لن يكتفي حسبه باسترجاع ملك والده، وإنما يشكل خطرا عليهما إن لم يعملا على إبعاده من العرش (إبيانوس)،

مما يؤكد دور قرطاجة التي تستعين بماسينيسا لكنها تحترص من طموحه، وتخشى من مؤهلاته، ولا تريد لابن الملك هذا أن يصبح ملكا، فتعاونت مع سيفاكس ومازوطيل الذي تزوج أرملة أوزلاقن البونيقية، وعين إبنها ملكا تحت وصايته.


هكذا نلاحظ أن التاريخ الذي يكتبه المنتصر، لا يمثل كل الحقيقة وعلينا قراءة تلك الكتابات قراءة نقدية واعية وهدفنا من إثارة كل هذه التساؤلات والإشكاليات بحضور طلبة الدكتوراه، حتى يتبين لهم طريق أن البحث محفوف بالكثير من الصعوبات، وأن ما يجدونه في المصادر ليس هو كل الحقيقة. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، نريد أن يكون هذا التدخل بمثابة ورقة طريق للملتقى الذي يجيب على بعض هذه التساؤلات.

عين تيموشنت 22/09/2018
أ.د. محمد الهادي حارش
المنسق العلمي للملتقى

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

Close Menu