العملية المضادة للعصفور الأزرق

العملية المضادة للعصفور الأزرق

عملية العصفور الأزرق :

خلفياتها ونتائجها:

إنها العملية التي دبرتها السلطات الفرنسية سريا من طرف جاك سوستال ثم روبير لاكوست. وكانت تهدف العملية إلى خلق جبهة مضادة لجيش التحرير من أبناء المنطقة تحول دون انتشار الثورة في النواحي المحايدة التي بدأت تعرف تمركز أفراد جيش التحرير. فشلت العملية فشلا ذريعا بعد استغلالها لفائدة المجاهدين و لصالح الثورة، و قد شاركت فيها مجموعة من الضباط و المجاهدين أمثال:


ـ محمد يازوران المدعو سي السعيد فريروش، عقيد جيش التحرير فيما بعد 
ـ أحمد زايدات المدعو حند أوزايد، رائد سقط في ميدان الشرف فيما بعد 
ـ سعيد مهلال من عزازقة ضابط (شهيد ) 
ـ أعمر التومي المدعو أعمر أبركان من ايقر نسالم (افليسن ) ضابط شهيد 
ـ محمد حمادي من اغيل مهني، ضابط شهيد 
ـ سعيد أوانش المدعو سي سعيد لاكوست، شهيد

كلهم تحت قيادة كريم بالقاسم قائد المنطقة آنذاك، مستغلين الذكاء والفطنة الحربية، دخلوا في لعبة الخيانة وعددهم يفوق ألف رجل من الأفراد المتشبعين بالروح الوطنية، أغلبيتهم من المناضلين القدماء، زودهم الاستعمار بالحاجيات المادية في الحرب (السلاح الأوتوماتيكي منها موس كوتو، ماس 36 ب أم 38، مدافع رشاشة، بنادق قارون، الزي العسكري، الأحذية، المنظرات، بالإضافة إلى مرتب شهري لكل فرد يقدر بثلاثين ألف فرنك قديمة على مدى أحدى عشر شهرا.

ظن الاستعمار أنه سيقضي على أفراد جيش التحرير لكن في الحقيقة أنه يقدم المنى والكسوة لجيش التحرير من ذخائر وسلاح وأموال ليصطادوا فرائسهم من الخونة كالقياد، “الشنابيط” وذوي النفوس الضعيفة من عملاء فرنسا.

كيف وصل جيش التحرير إلى هذا الانتصار العظيم ؟ 

داخل مكتبه الفخم بمقر الحكومة العامة بالجزائر، يقترح على أقرب أعوانه فكرته من أجل إبادة جيوب المقاومة المتمركزة في مناطق القبائل والأوراس وشمال قسنطينة فالنار التي أشعلتها المقاومة في هذه المناطق يجب إخمادها بإضرام نار مضادة يقول جاك سوستال.

لتحقيق هذا الغرض ليس هناك سبيل أنجع من تحريض العناصر المتعاملة مع فرنسا ضد المنطقة، مهد البطولات الحربية والطاقة البشرية، مما يبرز دور الريادة الذي تحلت به في عمليات الفاتح من نوفمبر 1954 ضد الاستعمار واندلاع المواجهات بعد طبع ونشر بيان أول نوفمبر وإرسال المتطوعين إلى المتيجة بعدد يفوق مئة وثلاثين، على رأسهم أعمر أوعمران، بطلب من رابح بيطاط أسبوعا قبل الموعد المحدد، ثم يصبح أوعمران قائدا للولاية الرابعة.

بعد مهلة المشاورات والتريث وقع اختيار جاك سوستيل على شخص ضابط في مديرية مراقبة الإقليم (DST) المدعو “محند أوسمر ” ذلك الموظف الذي أكد إخلاصه و نجاحه في مهمات صعبة على الرغم من مخاطر العملية بدأ هذا الرجل الاتصال بزميله “عشيش الطاهر ” والذي عرف بميوله نحو السلطات الاستعمارية.

يفصح (أوسمر محند) لرفيقه (عشيش الطاهر) عن تفاصيل محتوى مشروع الحاكم العام وعن ما ينتج عنه من فوائد في حالة نجاحه، ترقية بالنسبة للأول في مصالح الاستخبارات إلى جانب مزايا ثرية بالنسبة للثاني.

بعد مهلة معقولة من الوقت فكر من خلالها “ع.ط “ليجد في شخص “احمد زايدات ” الرجل المناسب لينضم إلى العملية، هذا الأخير مناضل قديم في الحركة الوطنية ومالك لمطعم بسوق عزازقة، و لم يكن “عشيش الطاهر” على علم بعضويته في الحركة الوطنية وانتمائه إلى المنظمة الخاصة التي كان يشرف عليها كريم بالقاسم وإنما كان يعرف فقط أن صاحب المطعم يستقبل في يوم السوق الأسبوعي قروي الجهة، من خلاله يمكن تجنيد ألف فرد للدخول في العملية السرية.

في عملية صبر الآراء لأحمد زايدات، تأكد “عشيش الطاهر” أن الشخص موثوق فيه وأبدى له سر العملية، ويأخذ زايدات مهلة 15 يوما للتفكير ليرد عليه بالاتفاق. يسرع زايدات ويعلم السعيد يزوران مسؤول الناحية بالمؤامرة، هذا الأخير يطلع بدوره مسؤول المنطقة كريم بلقاسم، ليتلقى أحمد زايدات تعليمات القائد كريم بالتحضير للمغامرة. ولحجم و خطورة الحدث يعرض كريم بلقاسم خلفيات العملية على قادة جيش التحرير بالمنطقة.


ويجتمع ثانية كريم بلقاسم ، أعمر اوعمران ، سليمان دهيلس بعبان رمضان بالجزائر ، تطرح عليه خلفيات العملية ، فرصة لا يمكن تفويتها ، الثورة بحاجة إلى سلاح ، ذخيرة ، أموال، رجال . العدو يريد خلق جبهة مضادة لنا ، سنعطيهم ذلك يقول عبان رمضان ، سنكون بمثابة حصان تروادة (cheval de Troie ) ، سنعطيهم رجالنا.

لم تطل المدة حتى أعطي الضوء الأخضر لأحمد زايدات بأن يقوم بالعملية ويحرص على أن يتحكم في زمام الأمور لتكون في صالح جيش التحرير الوطني ورسمت بعض الضوابط التي يجب إتباعها واحترامها منها:

– تجنيد الرجال من صفوف المناضلين من اجل القضية الوطنية غير المعروفين لدى البوليس السري الفرنسي .
– أن يكون هؤلاء الرجال تحت أوامر جيش التحرير ويسهرون على تطبيقها ولا تنفذ القوانين وأوامر القيادة الفرنسية إلا في مجال ضيق تفرضه الضرورة والمناورة.

– يكون هؤلاء مسؤولين على حماية وحدات جيش التحرير التي ستؤويها القرى المنظمة كعملية لها.
– تنظيم عملية التموين ( أسلحة، أزياء، منظرات، أحذية، وعتاد ) لصالح جيش التحرير بطريقة سرية حتى لا تثير انتباه الجيوش الفرنسية 
– إعطاء مهمة القضاء على الخونة بعيدا عن القرى التي ينتمون إليها.
– دفع 5/6 من الأجر المتلقي لخزينة جيش التحرير لكل فرد وإبقاء لهم ف 1/6 كمرتب شهري فقط.

أبدى أحمد زايدات قبوله للمشروع لصديقه (عشيش الطاهر) الذي سارع لمقابلة المخبر (محند أوسمر) ليبلغ هذا الأخير الحاكم العام لترتيب الأمور.

بهذه الكيفية قام  جاك سوستيل في نوفمبر 1955 بتسليح ما يقرب ألف مناضل من قبل أحمد زايدات لصالح وحدات جيش التحرير من أيت جناد، افليسن البحري، أيت زمنزر. عملوا كلهم على نجاح العملية تحت دعم ومباركة السلطات الاستعمارية التي وفرت كل الشروط لمدة 11 شهرا.

وعن طريق مسؤول التموين سعيد محلال. أبدى فيها مناضلو لاكوست (groupe Lacoste ) أروع العمليات القتالية ضد الخونة وبعض الوحدات الاستعمارية. أخيرا يكشف أمرهم بعد أن وجد الاستعمار الفرنسي بعض عملائه موتى و قبضوا على جريح من جيش التحرير والذي بعد التعذيب أفشى سر العملية، مما أدى بالجنرالات إلى التراجع في الدعم ومحاولة استرجاع الأسلحة عن طريق إجهاض العملية. 

لقد حرص العقيد كريم بلقاسم على اخبار قادة الثورة في مؤتمر الصومام بسر عملية العصفور الازرق التي امتصتها ثورة التحرير بالولاية الثالثة، واضحت مقلبا على المخابرات والساسة الفرنسيين الذين اعتقدوا ان الامر قد اتهى بمنطقة القبائل ، وهاهم يكتشفون اللعبة ….انهم مولوا الثورة بالمال والسلاح والعتاد ….. لا يصدق الامر … لكنها الحقيقة المرة التي لم يبتلعها الجينيرالات وخرجي سان سير …



المصدر: 
كتاب عملية العصفور الأزرق لمحمد الصالح الصديق 
تاريخ الولاية الثالثة ليحيى بوعزيز.

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

Close Menu