المجاهد والمناضل والمثقف بن يوسف بن خدة

المجاهد والمناضل والمثقف بن يوسف بن خدة

بن خدة رئيس للحكومة المؤقتة

الصورة من يوم 19 مارس 1962 …. الرئيس بن يوسف بن خدة رحمه الله …… يلقي خطابا أمام الجزائريين ، يعلن فيه وقف إطلاق النار ، و يهيئ فيه الشعب لاستقلال بات وشيكا جدا …. يوم انتظره الجزائريون طيلة 132 سنة …

132 سنة لم تهدأ فيها فرنسا ولو ليوم واحد ….. 132 سنة من المقاومة البطولية التي استشهد خلالها الملايين من الأبطال …. لكن الرئيس بن يوسف بن خدة كان يعلم يقينا ماذا كان يخطط له الإنتهازيون من وراء الحدود … و كان يخاف من أن يسرق جيش الحدود استقلال البلد … و هذا ما حدث للأسف الشديد …. الرجل الرمز بن يوسف بن خدة رحمه الله تعالى …. أول رئيس حكومة في الجزائر المستقلة ….. البطل المنسي الذي سنعرفكم به …..

مولده

ولد بن يوسف بن خدة يوم 23 فيفري 1920 بمدينة البرواقية ( ولاية المدية ) ، كان أبوه قاضيا إسلاميا و أحد أعيان المنطقة ، ترعرع البطل وسط عائلة محافظة تنحدر من البليدة ، حفظ القرآن الكريم بالموازاة مع التحاقه بالمدرسة الفرنسية ، بعد ذلك تنقل إلى البليدة لمواصلة دراسته بثانوية ابن رشد ( Lycée Duveyrier آنذاك ) ، أين تعرف على شباب سيكتبون معه تاريخ بلدنا : عبان رمضان ، محمد لمين دباغين ، سعد دحلب ، امحمد يزيد ، علي بومنجل … الخ ، مما جعل مدير الثانوية آنذاك يقول جملته الشهيرة :

” أنتم سكاكين يتمّ تجهيزها ضد فرنسا “
Vous êtes des couteaux qu’on aiguise contre la France

نضاله

إلتحق البطل بحزب الشعب الجزائري سنة 1942م ، في سنة 1943 اعتقله الفرنسيون بسبب مشاركته في قضية “عصاة البليدة les insoumis de Blida” ، وهي قضية أثارتها مجموعة من الشباب الذين رفضوا التجنيد الإجباري للمشاركة في الحرب العالمية الثانية ، قضى البطل 8 أشهر في السجن تعرض خلالها لأبشع أنواع التعذيب ، مما زاد في إصراره على النضال في سبيل تحرير أرضه ووطنه

 

مستواه الدراسي

تحصل البطل على شهادة البكالوريا ، التحق بكلية الطب و الصيدلة بجامعة الجزائر مواصلا نضاله السياسي ، حيث عين سنة 1947 عضوا في اللجنة المركزية لحركة انتصار الحريات الديمقراطية ( التي تأسست بعد حلّ حزب الشعب الجزائري) ، ثم أمينا عاما بين 1951 ، السنة التي تحصل فيها على شهادته في الصيدلة ، و 1954 ، السنة التي اعتقل فيها و دخل فيها السجن في شهر نوفمبر ، الذي اندلعت فيه ثورتنا المباركة ….. بعد خروجه من السجن سنة 1955 إلتحق بجبهة التحرير الوطني ، و أصبح رفيق درب و مستشار البطل عبان رمضان في العاصمة ….

 

عضو في مجلس CNRA, و CCE

في سنة 1956 و خلال مؤتمر الصومام (20 أوت) ، عين بن يوسف بن خدة عضوا للمجلس الوطني للثورة الجزائرية ( مجلس الثورة CNRA) ، و عضوا في لجنة التنسيق و التنفيذ ( CCE ) إلى جانب : لعربي بن مهيدي ، عبان رمضان ، كريم بلقاسم و سعد دحلب ، قام البطل بمساعدة عبان رمضان في تجسيد عدة أعمال تاريخية :

تأسيس الإتحاد العام للعمال الجزائريين ( UGTA ) ، تأسيس جريدة المجاهد ، إختيار ” قسما ” كنشيد وطني …. إلخ ،

في أواخر 1956 م شكّل البطل بن يوسف بن خدة ، مع البطلين لعربي بن مهيدي و عبان رمضان ، الثلاثي الذي سيقود المنطقة المستقلة ( Zone autonome ) ، و سيقرر تفجير معركة الجزائر بداية 1957 ، المعركة الحاسمة التي جند لها الفرنسيون الآلاف من خيرة فيالقه ، و أعتى جنرالاته … معركة خسرها جيش التحرير الوطني ميدانيا ، لكن ربحتها جبهة التحرير الوطني إعلاميا و استراتيجيا ، لأنها أظهرت للرأي العام الفرنسي و العالمي وحشية و همجية المستعمر …. و عجّلت بسقوط الحكومة الفرنسية الرابعة ، و باستقلال بلدنا ….

 

تمثيله الدبلوماسي

في سنة 1957 استطاع بن يوسف بن خدة الهروب بأعجوبة من مظليي الجنرال السفاح ماسو ، و مغادرة البلاد ليبدأ مشواره الدبلوماسي الذي كلفته به قيادة جبهة التحرير الوطني للتعريف بالقضية الجزائرية ، زار البطل العديد من العواصم العربية و عدة مناطق في العالم :

يوغسلافيا ، بريطانيا ، أمريكا اللاتينية ، الصين … الخ ، يوم 9 أوت 1961 ، عيّن البطل رئيسا للحكومة الجزائرية المؤقتة ( GPRA ) خلفا لفرحات عباس ( الذي عاتبه أعضاء مجلس الثورة على ضعف حزمه )

 

مشاركته في المفاوضات

قاد بن يوسف بن خدة الحكومة التي أكملت التفاوض مع فرنسا ( مفاوضات طويلة كللتها إتفاقية إيفيان ) ، و قام بنفسه بإعلان وقف إطلاق النار يوم 19 مارس 1962 ، بعدها كلّف البطل بالتحضير لانتخابات تقرير المصير و المرحلة الإنتقالية مع عبد الرحمن فارس ، الذي عيّن رئيسا للهيئة التنفيذية المؤقتة ، و هي هيئة تشكلت في تلك الفترة للتحضير لنقل السلطة من الفرنسيين إلى الجزائريين ، تنظيم الإنتخابات و ضمان احترام بنود اتفاقيات إيفيان ، بعد الإنتخابات التي صوت فيها الشعب الجزائري لصالح استقلاله ، عاد بن يوسف بن خدة إلى أرض الوطن يوم 3 جويلية 1962 أين استقبله الشعب الجزائري استقبال الأبطال …. وسط فرحة عارمة عرفتها كل مناطق بلدنا …. فرحة لن تدوم طويلا للأسف …..

 

الإستقلال المسروق

مباشرة بعد استقلال بلدنا ، قام جيش الحدود المدجج بكل أنواع الأسلحة باقتحام العاصمة على ظهر الدبابات …. لفرض نظام سياسي و فكري تم إعداده في الخفاء باتفاق فرنسي سوفياتي مصري ، نظام الحزب الواحد و الفكر الواحد الذي يكرس للإشتراكية و القومية العروبية و قمع كل معارضة ….

أفكار منافية تماما لمبادئ أول نوفمبر التي وحدت شعبنا و نظال أبطالنا …… أفكار و توجهات عارضها البطل بن يوسف بن خدة منذ البداية ، لكنه قرر الإستقالة لتجنيب البلاد الدخول في حرب أهلية مدمّرة …

إستخلافه بعبد الرحمن فارس

أوكلت القيادة آنذاك لعبد الرحمن فارس ( الذي يعتبره البعض أول رئيس للجزائر بعد الإستقلال ) ، الرجل الحكيم الذي أقصي اسمه و نظاله تماما من المقررات المدرسية و كتب التاريخ …

قام فارس بتسيير الأعمال حتى 25 سبتمبر 1962 أين تشكل المجلس الوطني الدستوري الذي انتخب فيه فرحات عباس ، و أصبح أول رئيس فعلي للبلاد ، لكنه كان كذلك على خلاف حاد مع بن بلة و جيش الحدود و جماعة وجدة ، مما اضطره على الإستقالة سنة 1963 ، خلال تلك الفترة المضطربة انسحب بن يوسف بن خدة تماما من الحياة السياسية

 

مبادرته لإحياء قيم أول نوفمبر

( يقول البعض أنه تدخل لإطفاء نار الفتنة أثناء حمل السلاح من طرف الولايتين الثالثة و الرابعة التاريخيتين ، لتقريب وجهات النظر ) ، و عاد للعمل في صيدليته ، في سنة 1976 حاول البطل تغيير الأمور ، فأمضى على بيان رفقة القادة التاريخيين : فرحات عباس ، حسين لحول و محمد خير الدين ، يطالبون فيه الرئيس الراحل هواري بومدين بإجراء انتخابات ديمقراطية وفق ميثاق وطني و مجلس وطني تأسيسي …. لكن بومدين رفض المبادرة … ووضع القادة التاريخيين الذين يكبرونه سنا و تجربة و نظالا و شرعية … في الإقامة الجبرية و صادر ممتلكاتهم ….!!

 

عودته للحياة السياسية

بعد مظاهرات أكتوبر 1988 و فتح الرئيس الشادلي بن جديد للمجال السياسي بإقرار التعددية الحزبية ، أسس بن يوسف بن خدة حركة الأمة مع رفقاء النظال ، مع تنامي الأمل لدى الجزائريين ، الحركة التي كانت تهدف لتقريب وجهات النظر بين الإسلاميين و الوطنيين ، للعودة ببلدنا إلى مبادئ ميثاق أول نوفمبر … و كلنا يتذكر مثلا الحوار التاريخي الذي دار بين كبار مجاهدينا : سليمان عميرات ، بن يوسف بن خدة ، عبد الحميد مهري ، عباسي مدني … إلخ، رحمهم الله تعالى ، و مدى احترامهم للبعض و حبهم المفرط للوطن رغم اختلافاتهم الفكرية

….. رغم كل محاولات بن خدة النبيلة إلا أنه لم يستطع إيقاف الفتنة التي عصفت ببلدنا في التسعينات … فاضطر مجددا لترك العمل السياسي بعد محاولة أخيرة مع الشيخ أحمد سحنون لإطفاء نار الفتنة …

 

وفاته رحمه الله 

توفي البطل يوم 4 فيفري 2003 بعد صراع طويل مع المرض ، و دفن بمقبرة سيدي يحيى بالعاصمة قرب رفيق دربه سعد دحلب رحمهما الله ، أين حضر جنازته الآلاف من الجزائريين … رحمه الله تعالى و جازاه عنا خير الجزاء … البطل المثقف الأكاديمي الأصيل ، المتشبع بالمبادئ الإسلامية و الروح الوطنية … إبن البليدة البار الذي احبه أبناؤها كثيرا …. الرجل الذي كان بإمكانه بناء بلدنا على أسس متينة ، قوامها العدل و الأصالة و الوطنية ، بفكره الواسع و نظرته السياسية الثاقبة ، و حكمته و تجربته الكبيرة …. الرجل الذي فضل الإنسحاب للحفاظ على وحدة الوطن و دماء الجزائريين … في موقف سجله التاريخ ….

 

مقولته المشهورة

بن يوسف بن خدة الذي قال في شهر أوت 1962 كلمات من ذهب …تبرز بوضوح الفرق الشاسع بين جيش التحرير الوطني و جيش الحدود الإنقلابي ….. كلمات رددها رفيق دربه البطل المجاهد لخضر بورقعة فدخل السجن بسببها ….. كلمات صداها لا يزال مدويا اليوم :

” سيطرح اليوم مشكل إدماج جنود الحدود في جيش التحرير الوطني ، و هي مسألة حساسة جدا لا يمكن حلها إلا بتأسيس جيش وطني ، تحت إدارة الحكومة الوطنية …. لكن هناك عدد من ضباط الحدود لم يشاركوا في الحرب التي خاضها الجيش الوطني الشعبي في الجبال … الحرب التي قام بها كل الشعب و التي لم يكن فيها الجيش إلا رأس الحربة … الشعب الذي كان الصانع الحقيقي للإستقلال … هؤلاء الضباط الذين بقوا طيلة الحرب خلف الحدود المغربية و التونسية ، لن يعتمدوا إلا على قوة السلاح ، هذه النظرة الخطيرة ستؤدي حتما إلى احتقار الشعب و تقزيم دوره ، و ظهور عصابة إقطاعية عسكرية كالتي تتواجد في العديد من الدول المتخلفة خاصة في أمريكا الاتينية ….. هنا يكمن داء الإغتراب …

و يواصل :

” الثورة ليست من إنجاز فئة محددة و لكنها قامت بتعبئة كل المواطنين …. المناضل الذي هو العمود الفقري للثورة …. و حارسها الأمين ، هو المناظل سواء كان بالبدلة او بدونها …. سواء كان من الجيش أو الجبهة أو النقابات او باقي التنظيمات …. الجيش في خدمة الشعب …. وهو تحت إدارة الحكومة مباشرة … التي تمثل السيادة الوطنية … الجيش ليس مصدرا للحكم وفق الفكر الساذج الذي يخلط بين قوة السلاح و قوة السلطة …. مصدر السلطة الحقيقي هو الشعب … و هو من المبادئ الأساسية لثورتنا ، و لكل ديمقراطية …… “

…… كلمات من ذهب ما أصدقها اليوم … نظرة إستشرافية ، مسؤولة ، حكيمة … ما أحوج مسؤولينا لها اليوم ….. في ظرف حاسم قد يحدد فيه مصير بلدنا في الساعات القادمة …. كلمات تبرز بوضوح نظرة أبطالنا للجيش و دوره ، و للشعب ودوره …. نظرة الرجال الأحرار ….

رحم الله البطل بن يوسف بن خدة ، و ابنه البار الدكتور حسان الذي توفي يوم 1 مارس 2019 وهو يشارك في حراكنا المبارك ، و ألهم عائلة بن خدة الصبر و السلوان … و إنا على نهجهم بإذن الله سائرون …. تحياتي لكل عائلته الكريمة خاصة أستاذي البروفيسور سليم بن خدة ، الدكتور المختص في أمراض القلب و الشرايين الذي يحمل على كتفيه رسالة والده رحمه الله تعالى ….

حرر من طرف الباحث أمين معمر

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً