اوليڤر كرومويل Oliver Cromwell

اوليڤر كرومويل Oliver Cromwell

اوليڤر كرومويل Oliver Cromwell.   ( المولود ب25 أبريل 1599 والمتوفي ب 3 سبتمبر 1658)

قائد عسكري وسياسي إنجليزي، الدكتاتور الفريد والثغرة الوحيدة في تاريخ الملكية الإنجليزية.
قاد البرلمان في حربه ضد الملك تشارلز الأول، كان هذا الملك يؤمن إيمانًا لا يتزعزع بالنظرية العثمانية المقدسة في الحكم، كان يعتقد أن الملوك يستمدون حقهم الإلهي في الحكم من الله لا من الشعب، وأنه هو الذي سربلهم سربالا لا يجوز خلعه، هذا رغم أنهم لا يملكون وثيقة تثبت أن الله تعالى هو الذي سربلهم!

في عام 1629 أقدم الملك تشارلز الأول على حل البرلمان، أصبح الصدام محتما بين الملك وأنصاره من ناحية وبين البرلمان وأنصاره من ناحية أخرى، كان أشد أنصار البرلمان طائفة البيوريتان الدينية المتعصبة والموالية لكرومويل يساندهم الأسكتلانديون.

اشتعلت حرب أهلية طويلة، تمكن جيش البرلمان من دحر قوات الملك في أهم معارك هذه الحرب الاهلية في يوليو 1645، وهي معركة ناسبي، وكان الانتصار بفضل كرومويل ومساعدة الأسكتلنديين، وتوالت الهزائم بعد ذلك على الملك الى أن اضطر إلى تسليم نفسه للأسكتلنديين الذين سلموه بدورهم للبرلمانيين.

بعد أسر الملك أخذت المنازعات تدب بين المنتصرين من الاحزاب البرلمانية وفي نفس الوقت انقلب الأسكتلنديون على أعقابهم، فساعدوا الملك على الهرب من الأسر، ونجح في ذلك في نوڤمبر 1647، فكان هذا بداية للحرب الاهلية الثانية التي تجلت فيها عبقرية أوليفر كرومويل في القيادة، فقد بادر بالزحف على ويلز وقمع الثورة التي قامت بها، ثم تتابع زحفه شمالا وهزم الأسكتلنديين والملكيين الإنجليز هزيمة ساحقة.


أيقن كرومويل أن الملك أصبح شخصا يجب التخلص منه، وفعلا تم القبض على الملك، وبعد محاكمة جائرة حُكِم على الملك بالإعدام في يناير 1649.

وفي نفس العام قاد كرومويل حملة تأديبية على أيرلندا وقمع ثورتها في قسوة وحشية لم يسبق لها مثيل، حيث مثل بحاميات الملكية في درزجدا وويكسفورد.

أصبح كرومويل أقوى رجل في البلاد، وفي سبتمبر 1650 تمكن من تشتيت الأسكتلنديين، وبعد ذلك بعام نصب لهم كرومويل فخًا وانتصر عليهم في سبتمبر 1651، وقضى على ثورتهم وفرض الجمهورية عليهم وحل برلمانها وأرسل ثلاثين نائبا عنها إلى مجلس العموم البريطاني، كما قام إثر ذلك بحملة ضد إيرلندا لوقوفها ضد النظام الجمهوري وصادر ممتلكات الأيرلنديين الذين لم يثبت ولاؤهم للجمهورية، وبذلك انتقل ثلثا أراضي إيرلندا إلى الإنجليز، وتعرض الكاثوليك للاضطهاد في تلك الفترة.


نجح في تحجيم دور الهولنديين التجاري في العالم، وتمكن من إصدار قانون الملاحة 1651 المتضمن النقل على السفن الإنكليزية، ونال اعترافًا من فرنسا، القوة العظمى في أوروبا في القرن السابع عشر، بجمهوريته سنة 1652.
حمل لقب اللورد الحامي لإنجلترا، لم يستطع تحمل أي معارضة برلمانية، حلّ البرلمان أكثر من مرة، بعد إحدى المرات وجدوا لافتة معلقة عليى قاعة البرلمان “بيت للإيجار، غير مؤثث الآن”.

قام بتجربة أساليب عديدة للحكم، ولكن الأمر الثابت كان ديكتاتوريته وتعصبه الديني الشديد لطائفته وخطبه المليئة بالمواعظ المملة، حقق لإنجلترا أمجادا في الخارج، ووضع أسس إمبراطوريتها، وانتصر للإصلاح البروتستانتي.

ولكن الشعب لم يستطع الصبر طويلا على سماع مواعظه الدينية ولا تقبل تصرفات البيوريتان المتشددين في الدين، ورغم انتعاش أمراء التجارة والطبقة المتوسطة فقد أثقلت الضرائب اللازمة لتمويل الحروب كاهل الناس، كما أزعجتهم مظاهر الحكم الدكتاتوري من اعتقالات غير مبررة ومحاكمات بدون محلفين وجائرة.


أخذت إنجلترا تترقب بصبر نافذ موت حامي حماها ورئيس جمهوريتها، وكم من مؤامرة دبرت لاغتياله، وكان عليه دوما أن يأخذ حذره، وزاد الآن عدد حرسه الخاص إلى 160 رجلا.

بلغ ذروة السيطرة والسلطان، عُرِض عليه الملك فأبى، كان رجلا غير ميال إلى المظاهر والأبهة، كان يعيش عيشة طابعها البساطة والإخلاص مع أمه وزوجته وأولاده، وأحبته أمه حبا شديدا ممزوجا بالخوف عليه، كانت ترتعد فرقا على حياته لكل طلقة نسمعها، ولكنه تعلم أن مظاهر القوة والأبهة كفيلة ببث الرعب في قلوب الناس والأعداء وحفظ النظام العام.


حطمت الهموم والمخاوف وفقدان الأهل والولد روح القائد الفذّ والرجل الحديدي، استشعر الأسف لأنه تخلى عن حياة الدعة والهدوء التي حظي بها في أيامه الأولى عندما كان من مالكي الأرض في الريف، حتى قال “إني أقول، وأشهد الله على ما أقول: لو أني عشت في ظل تعريشة ورعيت قطيعا من الغنم، لكان خيرا من أن أتولى حكومة مثل هذه”.

سقط أخيرًا صريع المرض في 1658، ولكنه سرعان ما شُفي، ظن أنه أفلت من الموت، ولكنه أصيب بنكسة، وأحس باقتراب منيته، دعا الله أن يغفر له خطاياه وأن يحفظ البيوريتانيين.


وبعد ظهر اليوم التالي فارق الحياة، وكتب السكرتير ثورلو: “لقد صعد إلى السماء مضمخًا بدموع شعبه، على أجنحة صلوات القديسين ودعواتهم”، ولما وصلت أنباء موت كرومول إلى أمستردام أضيئت المدينة أيما إضاءة، وكأنما طلقت من عقالها، ومضى الأطفال في القنوات هاتفين متهللين فرحا لموت الشيطان.

تخلى ابنه ريتشارد عن الحكم سنة 1659، وعاد الملك شارل الثاني من أسرة ستورات Stuart إلى السلطة، استقبل استقبالا شعبيا حماسيا هائلا، هتف الناس بحياة الملك والملكية حتى بُحت أصواتهم، عادت أيام الحرية والفسق والفجور، وولت أيام التشدد الديني والمواعظ الدينية الطويلة.


أمر الملك بمحاكمة كرومويل، أُخرج جثمانه من قبره، ونقل إلى تيبورن وشنق هيكله يوم 30 ديسمبر سنة 1661 وعلقت جمجمته على الحراب فوق وستمنستر هول، تأسيا بما كان يفعله الأمويون بخصومهم.

وهكذا تقلبت الأحوال، فمن بعد أن كان من الممكن أن تكون المملكة المتحدة أول وأقدم نظام جمهوري في العصر الحديث أصبحت أشد الدول تمسكا بالنظام الملكي، كان الدرس شديد القسوة، وأصبحت جمهوريتها مجرد ثغرة في تاريخها، وإن كانت ثغرة بعيدة المدى، فلقد رأى الناس ملكًا ذا دم أزرق يُعدم أمامهم، مما أدى في النهاية إلى انتهاء حكم الملوك الاستبدادي ونشأة الدولة بالمفهوم الحديث.

 

 
الدكتور حسني المتعافي
Share on facebook
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on google
Share on linkedin
Share on email
Share on skype

اترك تعليقاً