توات ، تيقورارين: القصور وتقنية الري بالفوقارات

حوار مع الأستاذ ” محمد الهادي حارش”

س1 :توجد قصور توات وقورارة في منطقة ادرار في وضعية يرثى لها في اية فترة من التاريخ تم تاسيسها ؟

البروفيسور حارش : الحديث عن قصور توات وقورارة في ولاية أدرار ،يجرنا الى الحديث عن الرحلات والمعاينات ، التي قام بها الكثير من الأجانب ، الذين اهتموا بعمارة القصور تلك ، خلال القرن التاسع عشر ، أثناء حركة التوسع الاستعماري وبالرغم من أكثرهم، كانوا هواة ، لكن ما تركوه من أوصاف وملاحظات ، لا شك أنها كانت مفيدة ، وقد تمكنوا من وضع خرائط للمدن والقصور والطرق الرابطة بينها، عرفتنا بوضعية تلك القصور قبل أن تصاب بما تشيرون اليه، وان كنا لا نجهل أهداف تلك البعثات الاستكشافية العسكرية ، التي كانت تحضر لاحتلال تلك المناطق ، تحت غطاء مدني، الأمر الذي جعل أوصافهم تتسم بالدقة والاهتمام بالتفاصيل ، مما أعطانا صورة قريبة من الحقيقة عن تلك القصور في العهود الأولى للاستعمار الفرنسي.

أما الفترة الزمنية ، التي تعود لها هذه القصور، فهي تعود لأنماط مختلفة وبالتالي لفترات تاريخية مختلفة ،فنجد أقدم تلك الأنماط ما تعارف المؤرخون على تسميته بالنمط ” الجيتولي”، وهي تعود زمنيا الى عصور موغلة في القدم ،

يرجعها البعض الى عصور ما قبل التاريخ، ومعروف أن القبائل الجيتولوجية ، عرفناها كقبائل متنقلة على امتداد الهضاب العليا الداخلية حتى الصحراء منذ القرن الخامس ـ الأول قبل الميلاد واستمر هذا النمط حتى القرن الأول الميلادي ، ويشيد على أماكن مرتفعة وتحمل كنتيجة لذلك اسم : أورير ، تاوريرت ، وتبنى بمزيج من الحجارة الصغيرة والكبيرة ، ويعد قصر تاوريرت برقان وقصر الشارف بتموكتان كنماذج لذلك ويمتد النمط الثاني زمنيا من القرن الأول حتى القرن السابع الميلادي ، وتعود معظم قصور القبائل الزناتية الى هذا النمط.


اذا حولنا النظر في مخططاتها ، فنجد الصنف الأول يشمل مجموعة من الحصون ، أقيمت في الأماكن المرتفعة ، وتتخذ شكلا مستطيلا في تخطيطها ، تحيط بها أبراج من الحجارة ، بينما يأخذ النمط الثاني شكلا مستديرا ، وتحاط بأسوار يتقدمها خندق ، بينما شيدت معظم قصور الصنف الثالث في الفترة ما بين القرن العاشر والخامس عشر وكانت أكثرية هذه القصور المقامة على طرق القوافل ، تجمع بين الزراعة والتجارة ، وبفضل الحركة التجارية ، أصبحت تمنطيط احدى الحواضر الأساسية خلال هذه الفترة قبل ان ينتقل المركز الى تيمى في القرن السابع عشر .


لا شك انكم تقصدون بكلمة ” يرثى لها ” ضرورة ترميمها ، لكن ذلك يتطلب أموالا ضخمة ، نضرا لكثرة تلك القصور ، فإذا أخذنا إقليم توات وحده ، نجده يحتوى على عدد معتبر من القصور ، ويناهز خمسين قصرا في قورارة وحدها ، وقلما نجد مدينة في الجنوب تخلو من هذه القصور ، لذلك يمكن الاعتماد في ترميمها على ” التويزة ” ، التي أنشئت بفضلها معظم تلك القصور .
س2: بحق الزوايا وحدها ماتزال قائمة ، خلافا لوضعية القصور، التي تأسست منذ أزيد من سبعة قرون ، لما يرجع ذلك ؟


البروفيسور حارش : حقيقة الزوايا مازالت قائمة خلافا للقصور ، ذلك أن تلك الزوايا لها القائمون عليها ، ويتولون صيانتها باستمرار ، لدورها الاجتماعي ، الدينى وحتى الاقتصادي ، خلاف القصور ، التي يتم التخلي عنها واللجوء الى المساكن الحديثة بمجرد الإحساس أنها أصبحت لا تستجيب لضرورات العصر أو الحاجة ، بينما مازالت الزوايا تقوم بدورها في تعليم الناشئة ، وبدورها الاجتماعي ، لذلك نجدها في أحسن الأحوال حتى الأن.


س3: يتحدث المؤرخون عن وجود جالية يهودية في المنطقة .كيف وصل اليهود الى هذه المنطقة ؟ في أي فترة تاريخية ، وكيف كانت علاقاتهم مع سكان المنطقة ؟


البروفيسور حارش : ليس من السهل ، تحديد فترة ” هجرة اليهود ” أو بالأدق انسحاب ونزوح اليهود الى بعض المناطق في الصحراء الجزائرية للاحتماء بأهاليها وذلك للخلط في هذه الهجرة بين التاريخ والأسطورة وبين ما كان ، وما يريدون ان يكون ، وتضارب الأراء في معظم الأحيان ، حتى اننا لا نجد تاريخا ، يمكن اعتباره منطلقا لتلك الهجرة ، التي ربطها البعض حتى بالهجرات الفينيقية ، وكذا بالسبي البابلي الأول 586 ق م ، والملك بطليموس سنة 320 ق م ، الذي قام بنفي حوالي عشرة آلاف يهودي الى مصر وليبيا ،

لكن في رأيي يتأكد وجود جماعات يهودية في شمال افريقيا بعد ان استولى القائد تيتوس سنة 70 م (الامبراطور لاحقا 79 ـ 81 م) على القدس ، وقام بتهجير حوالي ثلاثين الف (30.000) يهودي الى إقليم برقة (بليبيا الحالية )، التي مكن تزايد اليهود بها الحاخام عقيبة (Akiba) من القيام بتمرد ضد الرومان ، لم يخمد حتى عهد الامبراطور تراجانوس (98 ـ 117 م ) ، ففر بعض اليهود الى بعض مدن شمال افريقيا وحتى الى الصحراء ،

وعلى اثر التمرد اليهودي الثاني ضد الرومان (135 ـ 138 م) ، قام الامبراطور هدريانوس بهدم اورشليم ( القدس ) ، فانتشر اليهود بأعداد كبيرة في حوض البحر المتوسط ، وهي الحركة المعروفة في تاريخ اليهود ب ” الدياسبورا ” ، وكانت منطقة بلاد المغرب ضمن المناطق التي استقطبت هؤلاء بسبب التسامح الذي حظي به اليهود .


يكون الاضطهاد الذي تعرض له اليهود من طرف الرومان بعد هذا التمرد (135 ـ 138 م) ، هو الذي دفعهم الى النزوح الى الجنوب الى منطقة توزر بتونس ووادي سوف بالجزائر، قبل اللجوء الى وسط الصحراء بعيدا عن ملاحقة الرومان الى وادي ميزاب والى إقليم توات خاصة مركز هذا الإقليم ” تمنطيط ” وقورارة في مركزها ” تيميمون “.


ونرى أن سبب لجوء الكثير منهم الى هذه المناطق البعيدة ، هو كثرة تمردهم وما تعرضوا له نتيجة ذلك من اضطهاد على يد الرومان من ناحية وما وجدوه من تسامح عند سكان المنطقة، فأسسوا لهم قصورا أشهرها فصر تخفيفت وتماسخت وتسفاوت ، ومارس الكثير منهم التجارة والحرف خاصة ، وتعايشوا مع السكان ، وبعد دخول الإسلام ، منهم من اسلم، ومنهم من بقي على ملته يدفع الجزية ، حتى قام الامام المغيلي بحملته ضدهم حوالي 1486م وقضى عليهم بالإقليم، وقد سميت هذه الواقعة “بنازلة توات ” ، فدخل الكثير منهم الإسلام، والقلة هاجرت .


وقد حاول بعض المؤرخين المحدثين من الفرنسيين واليهود اعطائهم سبق الوصول الى هذه المناطق من الصحراء ، وهو أمر مخالف للحقيقة التاريخية ، وقد جاؤوا للاحتماء بأهالي المنطقة.


س4: المنطقة معروفة أيضا بنظام ريها المبتكر المعروف بالفقارات ، لأية فترة من التاريخ يعود هذا النظام ، وماهي خصوصيته وسره ؟


البروفيسور محمد الهادي حارش : عرفنا نظام الري بالفقارات في بعض ولاياتنا الأخرى: بشار ، الأغواط ، غرداية ورقلة ، لكن يبقى نظام الرى بالفقارة في إقليم تسوات (توات ) وتيقورارين (قورارة ) وحتى ثيديكلت خصوصيات في أساليب الاستغلال والحفاظ على المياه الجوفية، وحتى في طرق تقاسم المياه، المعتمد أساسا على اسهام كل فرد في انشاء الفقارة

أما عن قدم تلك الفقارات وتاريخ انشائها، فهو محل خلاف بين الباحثين الفرنسيين الذين يحاولون اسناد دور لليهود في ذلك، وهو أمر مخالف للحقيقة، باعتبار أن مجيئ هؤلاء الى المنطقة، كان متأخر بالقياس الى القبائل الزناتية، التي جاءوا للاحتماء بها، والمتواجدة بالمنطقة منذ فترة سابقة لميلاد المسيح،

أما من ينسب دورا للاقباط في ذلك اعتمادا على اسم اول فقارة وهندستها الرائعة، بحيث تنساب مياهها تحت مساكن تايلوت من الجنوب الى الشمال، أما اسم ” هنو ” الذي تحمله هذه ” الفقارة ” والذي استند عليه في نسب الفقارة الى الأقباط، فالأقباط، كانوا مسيحيين ولا يدينون بالوثنية ، وماعرفنا في الديانة المصرية الها باسم “هنو “، ولا عرفنا دافعا للاقباط لمغادرة مصر من العامرة الى هذه المناطق القاحلة، ولا عرفنا لهم طريقا فعلا الى هذه المناطق ،

لكن نعرف مواقف المدرسة الاستعمارية من قضايا التاريخ الجزائري خاصة والمغاربي بصفة عامة ، حيث كلما وجدت تقنية ما الا وحاولت ان تسندها للاجنبي، حتى لو كان افتراضا ومادام كل الوافدين الى المنطقة في المراحل اللاحقة لميلاد المسيح، قد وجدوا القبائل الزناتية بالمنطقة ،

فيكفي أن نقول ،أنه لا يمكن لهذه القبائل أن تستقر في هذه المناطق لقرون خلت، دون أن تكون لها الوسيلة للعيش ،مما يجعلني أميل وأرجح رأي القاضي محمد بن عبد الكريم البكراوي ، الذي يرجع نشأة الفقارة للقبائل الزناتية الامازيغية خاصة أن معضمها تحمل تسميات أمازيغية مثل أرمول ، مزر ، تكرزيت ، تيزيقر ، ولا نجد واحدة منها تحمل اسما يهوديا أو قبطيا، فكيف تكون لها أصول يهودية أو قبطية، ولا تحمل الفقارات الأولى على الأقل أسماء يهودية أو قبطية، وحتى فقارة ” هنو” كانت مياهها تنساب تحت مساكن ” تايلوت ” مما يعنى أن هذه الفقارة، أنشئت مع انشاء هذ المساكن، حتى تكون وسيلة التزود بالماء الضروري للاستقرا في المنطقة و” ثايلوت ” تسمية أمازيغية ـ زناتية ، ليست لا قبطية ، ولا يهودية ، ولا أحد يجرؤ على القول بغير ذلك.

الفقارة هي عبارة عن سلسلة من الأبار يشرع في حفرها من جهة عالية نازلين الى أن يصل الى القسرية من حيث يتم توزيعه على اقران (البساتين )، كان الماء عند اقترابه من الواحات يمر بأبار قريبة من السطح ، تدعى ” أغوسرو ” ومنها يتدفق الماء ليصل الى القسري من حيث يوزع بدقة متناهية باتجاه البساتين ،

وتحدد حصص كل فرد بحجم مساهمة كل صاحب عين في الفقارة من طرف الكيال ، وهو الخبير بأسرار مياه ” الفقارة ” وبخلاف كل الفقارات ، فإن فقارة ” هنو ” توزع مياهها وفقا لأيام الأسبوع ، وكان يخصص مثلا يوم السبت لقبائل كذا ويوم الأحد لقبائل كذا .. الخ ، وتبقى مدة الاستفادة مؤتبطة بحجم المساهمة.


اذا كانت الفقارة وسيلة تقليدية للسقي أساسا كما أنها وسيلة للتزود بماء الشرب والاستخدامات اليومية للسكان ، فهي أهم المصادر المائية ، التي عرفتها المنطقة الى وقت قريب ، وهي نظام مبتكر فعلا ، يعتمد على حسابات دقيقة في تسريب المياه، وبطريقة تدخل فيها جذابية الأرض ، وقد يعود ذلك الى قرون خلت قبل الميلاد ، مادام الانسان لم يغادر الصحراء كلية ، وظلت الواحات تحتضنه ، وقد تحدث هيرودوت على طريقة الري هذه في فارس التي زارها في القرن الخامس قبل الميلاد .


والجدير بالملاحظة ، هو وجود أربع فقارات بتمنطيط ، تختلف كليا عن الفقارات الأخرى بمنطقة توات ، ثلاث منها تمر تحت القصر ، وتمر الرابعة بجواره ، وتتجه كلها من الجنوب الى الشمال ، وأقدمها فقارة ” هنو ” التي تتزود بالماء من ينبوع ، بينما تتزود البقية من الحوض الجوفي ،

أما فقارات أولاد سعيد بتيقورارين (قورارة ) ، فتتميز عن الفقارات بالنواحي الأخرى ، أنها تأخذ مصدر مائها من أول بئر لها ، أما الأبار الأخرى التي تحفر ، فهي مجرد مجاري للماء ، لكن لا يمكن الاستغناء عنها باعتبارها تفيد في التهوية والاضاءة، التي تيسر عملية الصيانة ، وتتكون الفقارة عموما من :1) الابار التي يتصل بعضها ببعض بقناوات تعرف بالنفاذ 2) الساقية وهي مجرى المياه الى البساتين 3) الماجن : وهو الحوض الأخير ، الذي يتجمع فيه الماء للري الفلاحي .


يتطلب انجاز ” الفقارة ” اجراء دراسة للمنطقة وذلك لإدراك ارتفاع الأرض عن سطح البحر ، وعمق تواجد المياه الجوفية والتقدير الدقيق لمخزونها ودرجة انسيابها ، حتى تخرج على السطح ، وتبدأ العملية بحفر البئر الأولى من نقطة مرتفعة ، تحدد مسبقا بعد التأكد من وجود الماء ، ويكون عمق البئر مدروسا حسب عمق الحقل المائي الجوفي ، ويصل عمق البئر أحيانا أكثر من أربعين قدما ، وبعد أن يتم ذلك ، تمدد من البئر الأولى قناة باطنية نحو المصب ، وتربط هذه القناة بأبار للتهوية ، تحفر على طول المسلك على أن تكون المسافة التي تفصل بينها ، تتراوح مابين 15 ـ 30 مترا .


هكذا نلاحظ ان انجاز ” الفقارة ” مهمة ، تتطلب تخطيطا ، يبدأ بدراسة المناطق التي يوجد بها الماء ” الكشف ” ، وكيفية شق الطريق له ليصل الى سطح الأرض ، والأمر يتطلب حسابات دقيقة مرتبطة بطوبوغرافيا الأرض ، وما الاختلافات التقنية التي أشرنا لها سابقا بين مختلف الفقارات في إقليم توات ذاته الا دليل على هذه الدراسات .


س5 : مخطوطات قديمة جدا محفوظة من طرف الجمعيات المحلية .كيف يمكن استغلالها وبأي فترة تؤرخ ؟


البروفيسور محمد الهادي حارش : في الحقيقة موضوع ” المخطوطات ” في أدرار بأقاليمه الثلاث : توات ، قورارة وثيديكلت ، موضوع واسع ، لنا في جامعة الجزائر مخبرين على الأقل يهتمان بموضوع ” المخطوطات ” ويعد كل مخبر بمجموعة من الباحثين الموزعين على تخصصات التاريخ ، الأثار وعلم المكتبات والفلسفة والادب والتصوف …..

مما لا يسمح لي بالخوض فيه ، واكتفي بالقول أن جلها ، يتوجه الى الجانب االفقهي واللغوي ،وقليلة تلك التي تناولت الجانب التاريخي مع ذكر بعض النوازل التي أحاطت بالمنطقة ، أما عن استغلالها ، فالموجود منها بالخزائن ، فيمكن الاطلاع عليها بالمكان ، لكن الكثير منها مازالت مكدسة عند أصحابها ، لأن أدرار لا تمتاز بالفقارات فحسب ، وانما أيضا بالمخطوطات ، التي تمتد في الزمان من القرن التاسع للميلاد حتى القرن العشرين .

أ . د محمد الهادي حارش

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً