جرائم الاستعمار الفرنسي من كتاب ”حرب الجزائر بعد خمسين سنة”

جرائم الاستعمار الفرنسي من كتاب ”حرب الجزائر بعد خمسين سنة”

في كتابه ”حرب الجزائر بعد خمسين سنة” …مجنّد فرنسي يكشف لأول مرة جرائم الاستعمار الفرنسي بولاية ميلة
السجن الأحمر…الشاهد على بشاعة الاستعمار
كان أغلب نزلاء السجن الأحمر ينقلون في شاحنات غير بعيد عن واد بوصلاح، ويصطفون في صف واحد لتقوم مجموعة من العساكر بإطلاق النار عليهم دفعة واحدة، ليشارك هؤلاء العساكر جميعا في تنفيذ مثل هذه التصفيات الجسدية العشوائية. كانت هذه الوسيلة المثلى لإقحام هؤلاء الجنود الفرنسيين في عمليات القتل الجماعي التي تكررت بهذه الطريقة لعدة مرات، حسب اعترافات ضابط فرنسي يدعى ”برنار درافي” صاحب كتاب ”حرب الجزائر بعد خمسين سنة”، والذي راح بعد أكثر من خمسين سنة يتذكر تلك المحطات السوداء في تاريخ فرنسا الاستعمارية التي كان جيشها يتفنن في ابتداع أحدث وأغرب أشكال التعذيب والقمع في حق الشعوب المستعمرة عموما والشعب الجزائري خصوصا.

تتوالى السنوات وتتابع الاعترافات، وتنكشف الحقائق التاريخية على ألسنة ضباط من الجيش الفرنسي من أولئك الذين عايشوا وشاهدوا بأمّ أعينهم تلك الجرائم البشعة ضد الشعب الجزائري، ومنهم من شارك فيها وتورط، وفي لحظة صحوة ضمير راح بعضهم يعترف بتلك التجاوزات والجرائم التي تحاول فرنسا عبثا التكتم عليها، وعدم الاعتراف بها كجرائم حرب.
كتاب برنار درافي، الذي حصلت ”الخبر” على ملخص منه بواسطة الباحث في تاريخ المنطقة محمد الصادق مقراني رئيس جمعية 8 ماي 1945 بميلة، والذي سبق له أن كشف عن مجازر الثامن ماي 1945 بعدد من مناطق ولاية ميلة والتي كانت امتدادا لمجازر سطيف وڤالمة وخراطة، ليطلّ برنار درافي بكتابه الجديد الذي لا زال تحت الطبع، ويؤكد حقيقة تلك الجرائم الشنيعة التي أشار إليها الباحث مقراني.
هذا الكتاب يعدّ وثيقة هامة إضافية تؤكد مرة أخرى تلك الجرائم الشنيعة التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية في حق الشعب الجزائري، وعلى وزن ”شهد شاهد من أهلها” جاء هذا الضابط ليعرّي فضائح الاحتلال الفرنسي في الجزائر. هذا الطالب الكاثوليكي الذي زحف من فرنسا الحضارة والمدنية وحقوق الإنسان ليصدم بصورة فرنسا الحقيقية، بعد أن سقط القناع عنها ميدانيا من خلال تلك الممارسات القمعية التي تناقض تماما مبادئ وشعارات كانت فرنسا تتغنى بها.
الكتاب تطرّق لأول مرة لوسائل القمع والتعذيب المعتمدة بولاية ميلة، حيث رصد من خلاله يومياته كمجنّد احتياطي فرنسي عايش الثورة الجزائرية في العديد من مناطق ولاية ميلة، وشهد على القمع الذي تعرّض له أبناء المنطقة في غياب الضمير وتغييب القانون.
المؤلَّف يعدّ وثيقة تاريخية هامة تؤرخ بنظرة فرنسية لأحداث جرت في عدة جهات من الولاية، ويكشف من خلال ما جاء فيه عن وسائل التعذيب والتنكيل المعتمدة من قِبل الفرنسيين في السجن الأحمر بفجّ مزالة سابقا (فرجيوة حاليا)، أو تلك الممارسات غير الإنسانية والخروقات القانونية في مركزي باينان، والخروقات كان يقترفها الحركى في باينان وسيدي زروق بالرواشد، حيث كان مؤلف الكتاب مسؤولا.
”برنار درافي”، ضابط احتياطي، هو عضو سابق في تنظيم الطلبة الكاثوليك في مارسيليا، متحصل على شهادة في القانون، التحق لأداء الخدمة العسكرية في شهر نوفمبر1958. وبتاريخ 4 مارس 1959 ودّع برنار من قِبل عائلته بمرفأ مارسيليا ليلتحق بالجزائر، وعند وصوله وُجّه مباشرة إلى المدرسة العسكرية بشرشال من أجل إجراء تربص نظري وتطبيقي، وبعد الانتهاء من فترة التكوين العسكري والنفسي بالمدرسة العسكرية، عُيّن برنار درافي بتاريخ 16 أوت 1959 في الفيلق 51 للمشاة بالشمال القسنطيني، وفي 12 سبتمبر 1959 كُلف من قِبل قائد الفيلق بالإشراف على المجموعة الثامنة بمنطقة باينان بولاية ميلة.
كشف الضابط الفرنسي برنار درافي، في كتابه ”حرب الجزائر بعد خمسين سنة”، عن أهم ما شاهده وعايشه خلال إشرافه على العديد من العمليات والمسؤوليات التي تقلّدها إبان الثورة الجزائرية.
ويصف برنار رحلته من قسنطينة إلى مركز باينان قائلا:

”رافقني نقيب كلّفته القيادة العسكرية لإيصالي لهذا المركز الأكثر خطورة. وأنا متوجه معه إلى باينان شهدت العديد من الجنود الفرنسيين والكثير من نقاط التفتيش على امتداد الطريق، عندها أحسست بأن مهمتي سوف تكون معقّدة”.
ويضيف برنار أنه أثناء الطريق حدّثه النقيب عن خطورة المنطقة وبسالة المجاهدين وتغلغلهم داخل السكان، وطلب منه أن يأخذ حذره ويحتاط لأنه ليس في الجزائر العاصمة أو في وهران أو المتيجة. ويضيف برنار أنه تلقى العديد من النصائح، وطُلب منه صرف نظره عما يحدث خلال عمليات التمشيط، وألا يعلّق على كل التجاوزات التي يقترفها الجنود الفرنسيون في حق سكان باينان، لأن كلامه لن يجد له آذانا صاغية.

مركز الغابات كان مقرا للتعذيب والتنكيل

عند الوصول، كما يورد المتحدث ذاته، إلى هذا المركز ”علمت أنه كان ملجأ للتعذيب، فقام النقيب بتقديمي لبعض الجنود قصد التعرف عليهم وزيارة الأماكن المخصصة كمكاتب التحقيقات ونادي الضابط، بعدها طلب مني أن اكتشف القبو الموجود بداخل هذا المركز الذي كان يعذّب فيه المساجين والمجاهدين”.
في تلك الليلة، يضيف برنار، ”توفي ثلاثة مجاهدين جراء التعذيب الذي سلط عليهم، وسمعت أيضا صراخهم وأنينهم الذي لم يفارق أذناي حتى الآن. هؤلاء المساجين لفظوا أنفاسهم الأخيرة من شدة شربهم الماء وامتلاء بطونهم به، وهذا أمام مرأى وأعين العساكر الفرنسيين الذين وجدوا في تلك العملية متعة للتسلية”.
ويواصل برنار حديثه ”بعد فترة من تواجدي بالمركز خرجت في أول خرجة لي، رافقني فيها 36 عسكريا كانوا تحت تصرفي، إلى غابة باينان الكثيفة الجميلة، حيث قمنا بحملة تمشيطية لإحدى المشاتي. وعند وصولنا قامت مجموعة متكونة من 12 جنديا بتكسير وتحطيم كل شيء كان أمامهم، حينها صرخت وطلبت منهم التوقف عن ممارسة العنف والتحطيم، فتفاجأوا لهذا السلوك غير المعهود في مركز باينان، خاصة أنهم لم يعتادوا على مثل التصرف الذي صدر مني، فكانوا في جلّ خرجاتهم يقومون بالعبث والتخريب والاعتقالات في صفوف المواطنين بغير وجه حق”.
 

تجاوزات الحركى بباينان كانت رهيبة

وتحدث برنار، أيضا، في كتابه عن تجاوزات الحركى في باينان، والاعتداءات على شرف النساء وبقر بطونهن والاعتداء على حرمات السكان الذين كانوا يدعمون الثورة في الجبال. وفي إحدى الخرجات الميدانية للقوات الفرنسية واللفيف الأجنبي والمظليين بقيادة الجنرال ديكورنو ومجموعة من حركى بباينان، يروي صاحب الكتاب، قام رئيس الحركى وهو عريف، بقتل امرأة شتمته خلال عملية تمشيط أمام هؤلاء جميعا دون أن يحرّكوا ساكنا.
ولم تنج مشاتي باينان من الحرق والتخريب والسرقة التي اقترفها المظلّيون، ويذكر الكاتب أنه أثناء هذه الهجمات الشرسة رأى طفلا صغيرا مرميا ينزف دما لم يتلق أي إسعافات أولية، ولم يصمد طويلا وتوفي بعد ساعات من الهجوم. وفي مساء اليوم نفسه تم فتح تحقيق معمق مع شخص آخر لفظ أنفاسه الأخيرة تحت التعذيب، وتلاه مجاهد آخر متأثرا بآثار الضرب والتنكيل التي تعرّض له على يد الجلادين.
وتواصلت حملة القتل من قِبل الفرنسيين والحركى بهذه المنطقة بشكل يومي، وفي أحد الأيام، يضيف المتحدث ذاته، أقدم أحد الحركى من باينان على قتل امرأة دافعت عن شرفها على مرأى سكان المشتة.
وفي مشهد مأساوي آخر، يضيف صاحب الكتاب، أنه حدث ذات يوم أن حركيا من باينان، دائما، قرّر الهروب والتملص من عمله فقُبض عليه وعُذّب من قِبل زملائه الحركى، ونُكّل به طيلة أسبوع كامل بقي خلاله يقتات من فضلاتهم ويشرب من بولهم، إلى أن تمت عملية تصفيته من قِبلهم.
واتهم برنار درافي نقيب مركز باينان بالسكوت عن تجاوزات هؤلاء الحركى والجنود الفرنسيين، الذين عاثوا في الأرض فسادا واستباحوا النساء وعذبوا الكبار والصغار دون أن يحرّك النقيب ساكنا، ولم يقم بمعاقبتهم على أفعالهم الشنيعة تلك. ويضيف أن من أشنع ما فعله أحد الحركى، وهو عريف أول ومسؤول عن فرقة الحركى، أنه قام بمفرده بقتل أربع نساء بسبب عدم تمكّنه من ممارسة الجنس عليهن.

برنار يطلب مقابلة عميد القطاع العسكري بميلة لإبلاغه بالتجاوزات
ونظرا للعديد من التجاوزات التي سجلها هذا المجند الفرنسي أثناء تواجده بباينان، من قِبل الفرنسيين أو من الحركى، طلب مقابلة عميد القطاع بميلة، من أجل إبلاغه بمختلف التجاوزات غير الإنسانية والمنافية للأعراف والقوانين الدولية، كما قال، وبسبب أيضا عدم اهتمام نقيب مركز باينان وعدم استجابته لمختلف ردود فعل برنار تجاه ما كان يجري داخل قبو المركز، فقرر برنار أن يوصل ما شاهده من انتهاكات وأنواع التعذيب بمختلف أشكاله وأصنافه بمركز باينان إلى قيادة القطاع، التي قامت باستدعائه ثم تعيينه بعد ذلك في منصب آخر.

تعيينه في منصب ضابط للاستعلامات بميلة

في أواخر شهر نوفمبر يعيّن برنار درافي بالمكتب الثاني كضابط للاستعلامات بميلة، هذا المنصب الذي كان محتكرا فقط، كما يقول، على العسكريين النظامين، ولم يكن مخصصا للعساكر المجندين إطلاقا، فعرف أن قيادة القطاع تريد إقحامه في عمليات التعذيب والاستنطاق واستعمال الطرق غير القانونية مع المساجين والمقبوض عليهم.
وقبل استلامه قرار التعيين من قيادة القطاع بميلة، استقبل من قِبل عميد القطاع الذي أسمعه كلمات رنانة حماسية للرفع من معنوياته، كما يقول، لتقبّل هذه المهمة الحساسة. التحق برنار بالمكتب الثاني بميلة، وأثناء تواجده في أول يوم له رأى ما كان يفعله الملازم الأول المكلف بإدارة المكتب الثاني من ممارسات ابتزازية للمواطنين، كاحتفاظه بمبلغ 3000 فرنك من مجموع 5000 فرنك جمعها من إحدى مشاتي فجّ مزالة. وقد اندهش برنار من تصرف هذا المسؤول، وحينما سأله، أجابه الملازم الأول أن هذا العمل عمل مألوف وعادي.
 

السجن الأحمر بفجّ مزالة.. معلم لازال شاهدا على أنواع التعذيب والتنكيل

تحدّث برنار درافي عن أول يوم ولج فيه إلى السجن الأحمر الرهيب بفجّ مزالة، أو كما كان يسمى من قِبلهم بمركز الفرز الإقليمي، هذا السجن الذي بدأت السلطات الفرنسية التفكير بإنشائه منذ سنة 1935 ثم تبلورت الفكرة بعد أحداث 8 ماي 1945 بفجّ مزالة، أين أقرت السلطات الفرنسية آنذاك بإقامة سجن بفجّ مزالة في مداولة للبلدية المختلطة لسنة 1946، فعلا بدأت عملية البناء سنة 1952 لينتهي ويكون جاهزا لاستقبال المساجين عام 1956.
ويصف الضابط درافي هذا السجن بأنه سجن رهيب، كانت تمارس فيه مختلف أنواع التعذيب، وكل الطرق كانت مباحة ومتاحة دون رقيب فكان القتل العشوائي، ولم تكن هناك سجلات للسجناء، ولم تكن عملية تدوين هوية المساجين، لأنه كان مركزا فقط للفرز، ولم يكن بعد سجنا معروفا لدى الهيئات الإنسانية فكان مجرّد مكان لجمع المشتبه فيهم أو بعض المجاهدين الذين تمّت عملية القبض عليهم، أو من أجل أخذ معلومات عن تحرّك المجاهدين لاستغلالها فيما بعد من قِبل الفرنسيين.
يشرف على مركز الفرز الإقليمي الماجور فوتيي Vautier، والذي كان يعمل مباشرة تحث قيادة عميد القطاع فوانو Voinot، وقد بلغ عدد سجناء ونزلاء السجن آنذاك 445 سجين تقريبا، موزّعين على 29 زنزانة، في كل زنزانة أكثر من 10 أفراد، علما أن مساحتها لا تتعدى 2,5 متر مربع.
لقد عرف هذا السجن، يقول برنار، أبشع طرق التعذيب والانتقام والقتل العشوائي دون محاكمة عادلة وقانونية، ومنها ما جرى ذات يوم، حين انتقم هؤلاء الفرنسيون بقتل ستة مساجين ردا على مقتل النقيب بولنك Poullenc على يد المجاهدين إثر حملة تمشيطية قامت بها القوات الفرنسية، وكان ضمن هذه الحملة الماجور فوتيي، مسؤول سجن فجّ مزالة، الذي نجا من الموت المحقق، وعند عودته من الحملة توجّه رفقة بعض الجنود الفرنسيين إلى السجن وقاموا بقتل ستة مجاهدين بغير حق، وبعدها قاموا برميهم في ”الزوابق” بالقرب من حمام أولاد عاشور. كل هذا كان على مرأى ومسمع محافظ شرطة فجّ مزالة، الذي لم يقم أبدا بإخبار السلطات العليا بما كان يجري داخل هذا المركز من تجاوزات. وقد استمرت عمليات قتل نزلاء هذا السجن للعديد من المرات باستعمال أبشع الطرق كالقتل داخل أحواض الماء، أو عن طريق الخنق بالحبل لتنقل الجثث فيما بعد إلى منطقة ”الزوابق” بحمام أولاد عاشور بفرجيوة لإخفائها.
وقد عرفت المنطقة العديد من المجازر التي ذهب ضحيتها العديد من السجناء، وهذا برميهم وهم أحياء مكبّلين من أعلى قمة كاف الزوابق حتى لا يبقى لهم أثر.
ويواصل برنار حديثه أنه علم أيضا من مسؤوله المباشر، فيرون Viron، عن هذه الخروقات والانتهاكات لحقوق الإنسان بالسجن الأحمر بفجّ مزالة. وحدّثه أيضا الملازم الأول باك Pac عن التصفيات الجسدية التي كانت تمارس ضد هؤلاء السجناء بغير حق، وخاصة بعد مقتل أي فرنسي، حيث يلجأ القائمون على هذا السجن لتصفية المساجين، وهذا ما حدث عند مقتل نقيب المصالح الاجتماعية الخاصة ”صاص” بفجّ مزالة، حيث تمّت عملية تصفية أربعة سجناء ورميهم بحمام أولاد عاشور، فكانت هذه ممارسات عادية انتقاما من المجاهدين.
عملية القتل لم تتوقف مطلقا، يضيف برنار، فقد تواصلت وأصبحت شيئا عاديا، فالعديد من السجناء يُقتلون ويُعدمون لأسباب مجهولة دون محاكمة ولا استنطاق، فكان من المفروض أن تكون هذه الاستنطاقات على مستوى المكتب الثاني بميلة، لكن القلة من يؤتى بهم لاستنطاقهم واستجوابهم.

برنار يقرّر إبلاغ السلطات العليا

يقول برنار إنه قرر إبلاغ السلطات العليا لبلاده بالتجاوزات والقتل الجهنمي للجزائريين دون محاكمة، وقد تلقى ردا من أحد المسؤولين العسكريين أنه قادم للتحقيق، ”غير أنه لم يأت مطلقا، وأن ملف التعذيب والقتل بالسجن الأحمر طُوي، ولم يلق تقريري أي رد إيجابي”.
وتحدّث الضابط الفرنسي عن أهم وسائل التعذيب الوحشي وأدواته التي استخدمها الفرنسيون بالسجن الأحمر بفجّ مزالة، كاستخدام التيار الكهربائي في الأعضاء الجنسية، والشفرات والأمواس، ونزع أظافر المسجون وأسنانه بالكلاليب، وحشد أعداد كبيرة من المساجين في زنزانة صغيرة جدا، وتعذيب السجين بالضرب بالسياط أو العصي والرفس بالأرجل، ويضرب بمؤخرات البنادق أو يجلس على مقاعد مشوكة بالمسامير، وفتح الحنفية في فمه حتى يمتلئ بطنه، ويصعد فوقه الجلادون حتى يموت.
ويضيف برنار أنه، في منتصف شهر جانفي 1959، طُلب منه أن يحقق مع أحد السجناء، وكان إطارا في الثورة قُبض عليه، وأثناء التحقيق لم يدل هذا الإطار بأي معلومة، حيث ”بقي صامتا لا يريد الحديث، فأمرني مسؤولي المباشر فيرون Viron باستعمال التعذيب بالكهرباء، فرفضت ذلك وقدّمت تقريرا مفصلا عن هذه الخروقات لعميد القطاع، الذي استقبلني إلا أن تقريري كالعادة وضع في الأدراج، فطلبت منه أن ينقلني إلى مكان آخر، بعيدا عن ممارسة مثل هذه الأفعال الإجرامية التي لا تمتّ بصلة لقوانين الحرب المتعارف عليها دوليا”. ويضيف ”لقد راسلت مختلف السلطات العسكرية للتنديد بما كان يجري داخل السجن الأحمر، كمراسلتي المؤرخة في 15 ديسمبر 1959 إلى العميد فيرو Virot، وشرحت فيها كل التجاوزات التي كان عساكر فرنسا يقومون بها”.

برنار مسؤولا في فجّ مزالة والعياضي ورئيس فرقة الحركى بسيدي زروق

يقول برنار ”وأمام رفضي لتنفيذ أوامر مسؤولي المباشر تم نقلي من المكتب الثاني إلى المكتب الخامس، كضابط مختص في الشؤون النفسية في قطاع فجّ مزالة. وكان عملي يقتصر على الذهاب إلى مختلف مشاتي المنطقة بشاحنة ومكبر للصوت لمطالبة السكان بالعدول عن دعمهم للثورة، فكانت خرجاتي إلى هذه المشاتي غير مجدية، خاصة وأن هؤلاء المواطنين لا يهتمون بمختلف خرجاتنا”.
لم يدم بقاء برنار بفجّ مزالة طويلا، حيث عُيّن كضابط للشؤون الأهلية في منطقة العياضي لإدارة شؤون هذا المركز، فكان يقوم بدوريات لمختلف مشاتي المنطقة والاتصال اليومي بالمواطنين من أجل تنفيذ سياسة عزل السكان عن الثورة. ويواصل حديثه أن آخر مسؤولية تقلّدها كانت إشرافه على حركى سيدي الزروق بالرواشد، حيث كان يشرف على 40 حركيا. ويقول برنار إنه في إحدى خرجاته لأحد الأسواق الأسبوعية، رفقة مجموعته من الحركى، كاد يتعرّض للقتل، حيث وجهت له قنبلة غير أن حركيا قام بإنقاذه وإبعادها عنه، حيث كاد يفقد رجله وتفجرت غير بعيد عن مكان تواجده.

عرف هذا السجن أبشع طرق التعذيب والانتقام والقتل العشوائي دون محاكمة عادلة وقانونية

يقول برنار عن حركى سيدي الزروق أنه كان بينه وبينهم ألفة ومحبة، فكانوا هم من يقومون بأصعب وأخطر الأعمال، وهم من يشقون الطريق للقوات حين مهاجمتها لمعاقل الثوار. هذه العلاقة الوطيدة بينه وبين هؤلاء الحركى جعلته يعرف بعض عاداتهم وبعض الكلمات العربية المستعملة للتواصل اليومي، ”كانوا يعرفون كل ما يدور في المنطقة، وفي أغلب الأحيان ينصحونني بعدم الخروج ليلا، لأنهم كانوا يعرفون تحركات الثوار بالمنطقة”.
وتحدث برنار عنهم وعن معاناتهم وعن الصراع الذي كان يدور في نفوسهم ووجودهم بين نارين: نار الثورة ونار فرنسا، فهناك من جنّد من أجل الانتقام من الثورة لأنها كانت سببا في قتل عائلته، وهناك من فضّل الالتحاق بهذه المجموعة طلبا للمال، مضيفا أنه ”في إحدى خرجاتنا الاستطلاعية في 21 ديسمبر 1960، وبالضبط بمشتة السراج وغير بعيد عن الوادي، رأينا مجموعة من المجاهدين في الضفة المقابلة للوادي، فحدث إطلاق نار متبادل بين المجموعتين لعدة ساعات متواصلة نتج عنه جرح أربعة مجاهدين، وقد تم تكريمي من قِبل القيادة العسكرية لأنني حافظت على أرواح من كانوا معي في الاشتباك”.
هذا بعض ما جاء في كتاب برنار درافي المجند الاحتياطي، الذي أبى إلا أن يقدّم شهادته حول المجازر المقترفة من قِبل العسكر الفرنسيين بولاية ميلة. وتعتبر شهادته هذه مهمة، خاصة وأنها تصدر من شخص كان فاعلا في مختلف هذه الأحداث بمناطق عديدة من ولاية ميلة، تطرّق من خلالها لما عايشه وشاهده من أحداث تبقى وثيقة تاريخية تدعو للخوض أكثر في هذه الأحداث، لفكّ بعض الرموز التي لازالت مبهمة في تاريخنا الثوري الحافل بالمآسي والبطولات.​
 
محرر النص يوم:
Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً