حوار جريدة التحرير : مع الأستاذ الدكتور محمد الهادي حارش

س1/ مرحبا بكم سيدي ، نود في البداية ان نعرف بشخصكم ؟

ج1/ محمد الهادي حارش ، أستاذ التاريخ والحضارات القديمة ، جامعة الجزائر 2 ، أبو القاسم سعد الله ، متخصص في التاريخ المغاربي القديم ، حائز على دكتوراه دولة في موضوع حول ” مملكة نوميديا ” .


س2/ لا حظنا أن أغلب كتبكم تتركز حول التاريخ القديم للجزائر، فهل هذا بحكم التخصص ام لدوافع أخرى ، نرجو التوضيح ؟

ج2/ لا شك أن التخصص وراء ذلك ، إذ لا يمكنني أن أدرس التاريخ القديم ، و أؤلف في التاريخ الحديث والمعاصر ، بل وحتى داخل التخصص أؤمن بالتخصص الدقيق ، لأن في ذلك فائدة للطلبة ، وفيه أيضا دوافع أخرى ـ” لكن ليست ، التي تقصد “، لأن التوجه لأى تخصص لا بد أن تكون لك دوافع و أسباب ، و بل ميول و حب التخصص ، لأن بغير ذلك ، لن يكتب لك النجاح.

أذكر في هذا المجال أنني عندما هممت للتسجيل في دبلوم الدراسات المعمقة (D.E.A.)، أبدى الأستاذ ناصر الدين سعيدوني ـ أطال الله في عمره ـ الاستعداد للإشراف علي في مجال تخصصه ” الجزائر في العهد العثماني ” و هو أستاذ عزيز على جيلنا ، لكن أنا كانت لدى ميول للتاريخ القديم ، باعتباره الفترة التي ظلت غامضة في ذهني ، بعد دراسة الليسانس ، فأردت استجلاء حقائقها .


س3/ هل تعتقد أن المصادر المكتوبة للتاريخ القديم ، نزيهة وموضوعية بما فيه الكفاية أم اننا نحتاج أيضا الى مصادر أخرى مثل الحفريات و الآثار لكشف معالم الحقيقة ؟

ج3/ هنا يجب أن نميز بين المصادر التي هي اغريقية ـ لاتينية وبين المراجع ، التي أغلبها من المدرسة الكونيالية ـ الفرنسية ، دون استثناء الألمانية والانجليزية التي تسير في ركبها .

بالنسبة للمصادر اللاتنية – (الرومانية) ، لا شك أنها كانت تركز على السيبيربيا ـ رومانا (Superbia-Romana) في اطار بناء الهوية الرومانية ، وتبيان سمو الأخلاق الرومانية, وإحاطتها بهالة من التقديس عند تيتوس ليفيوس وسالوستيوس بالخصوص ، و اعتبار باقي الشعوب همج لا دين ولا ملة لهم ، جبلوا على المكر و الخديعة ، المعبر عنها بالنية البونيقية (Poenicum infidum) .

هذه النظرة هي الشائعة في معظم تلك المصادر الأمر الذي يستدعي لا غربلتها فحسب، بل إخضاعها لدراسة تحليلية نقدية واعية، ومقارنات و مقاربات ، وهو ما نحاول القيام به في مداخلاتنا في مختلف الملتقيات الوطنية والدولية في السنوات الأخيرة ، وحتى في محاضراتنا لطلبة الماستر و الدكتوراه ، لتعويدهم على الدراسات التحليلية النقدية ،لكن البحث الأثري والعلوم المساعدة للتاريخ ، تبقى لها مكانتها في دعم أو تفنيد هذه الآراء أو تلك .

أما بالنسبة للمراجع ، التي تطغى عليها مراجع المدرسة الكولونيالية ، فلا شك أنها كانت تخدم مصلحة الوجود الفرنسي في الجزائر ، وكانت تتخذ من الفترة الرومانية نموذجا يقتدى ، وكانت تطغى عليها الصبغة السياسية ممثلة في ذاتية أصحابها والتزامهم بقضايا أمتهم ، لكن بغض النظر عن أفكار هؤلاء لأنه مهما كان الأمر , فهم كانوا يخدمون قضايا أمتهم ، فلا يجب أن تبقى جهودنا و أقلامنا مسلطة على أعمال هذه المدرسة فقط ، دون أن نتقدم ونقدم البديل ، فلا يجب أن نجعل من هذه الكتابات هدفا لنا ، بل يجب ، أن تكون حافزا لنا للمزيد من التحري والبحث ، لأنه بغير ذلك ، لا نقدم شيئا لتاريخنا ، ولا نزعزع أعمال هؤلاء ، التي ستبقى شامخة مادام الضعف فينا .

س4/ لا شك أن هناك اختلافات واضحة في التأريخ لبلاد المغرب القديم ومن ذلك أصل السكان ومن أين جاءوا هل من الشرق أم من الغرب أم هم أصليو المنطقة منذ حقب بعيدة في الخلاصة ما رأيك ؟

ج4/ ليس سهلا ، التطرق لهذا الموضوع المتشابك ، المتشعب ، حيث تتضارب الآراء , وتتدخل الأيديولوجية ، دون الخوض في التفاصيل العائدة الى عصور ما قبل التاريخ والدراسات الانثروبولوجية ، سأكتفي بالإشارة الى ما ورد في ثلاثة مصادر قديمة وبن خلدون من المؤرخين المسلمين ثم أقدم بعض الملاحظات :

* يعد هيرودوت من القرن الخامس قبل الميلاد ، أقدم المؤرخين الذين ميزوا في ليبيا ( القارة ) بين السكان الأصليين والسكان غير الاصليين ، إذ يذكر في إطار حديثه عن سكان ليبيا :” بقدر ما تسعفنا معلوماتنا ، تعيش هنا أربعة أمم لا أكثر ، اثنتان منهما أصليتان واثنتان غير أصليتين ، فالليبيون في الشمال و الاثيبيون في جنوب ليبيا أصليون ، أما الفنيقيون و الاغريق ، فإنهم استقروا فيها فيما بعد ” (هيرودوت الكتاب ، IV، الفقرة 197 )

وفي موضع أخر يقول :” المنطقة الساحلية من ليبيا الممتدة من مصر الى رأس سوليس ، الذي يسجل نهاية القارة الليبية الى الغرب آهلة بالليبيين ” ( هيرودوت ، الكتاب الثاني ، الفقرة 32 ).

*ميزٌ سالوستيوس ( 86 ـ 35 ق م ) ، في وقت لا حق ضمن سكان افريقيا عمق ليبي وآخر جيتولي :” السكان الأوائل لافريقيا هم الجيتول والليبيون ” قبل أن يتحدث بدوره عن انتقال الميديين و الأرمن و الفرس المكونين لجيش هرقل من اسبانيا الى افريقيا اثر وفاة قائدهم .
كان هدف ساالوستيوس من ذكر تلك الشعوب ، هو تفسير اشتقاق أسماء بعض الشعوب التي وجدها في بلاد المغرب والتي تنتمي الى هذه الأمة الليبية ، دون أن يجد لها تفسيرا .

إدراج الفرس (Persae) في هذه الرواية, بهدف تفسير اشتقاق اسم الفاروسيين (Pharusi) او(Perorsi) الذين ذكرهم بلينوس الكبير في المناطق الداخلية للمغرب الاقصى على سواحل المحيط , اذ يقول سالوستيوس (حرب يوغرطة XVIII,4). ان الفرس (Parsae) انفصلوا عن الاخرين , وساروا الى جهة المحيط , وبهدف اشتقاق اسم النوميديين (Numidae) , يقول ان الفرس اختلطوا شيئا فشيئا بالجيتوليين (رحل), وبما انهم كانوا ينتقلون باستمرار سعيا للعثور على اراضي ملائمة اخذوا اسم الرحل (Numidas) ,

وحتى يفسر اسم نوميديا (Numidia) يقول  لاحقا دفع نمو السكان عددا معينا من الشباب للانفصال عن عائلتهم والذهاب حيث استولوا على البلاد المجاورة لقرطاجة , و لما كانوا يعرفون باسم النوميديين (Numidae) ,اخذت البلاد اسم نوميديا (Numidia) (سالوستيوسXVII,11).

ويضم الميديين (Midis) و الارمن (Armeniis) الى الليبيين (المستقرين), الذين يقيمون قرب البحر الافريقي (المتوسط ), و حرٌف الليبيون اسم الميديين شيئا فشيئا , واخذ في لغتهم الباربارية شكل الموريين (Mauros), عوض الميديين (Medis).

ما كان في الواقع طريق لتلك الشعوب الى بلاد المغرب إلا في اساطير سالوستيوس , التي يهدف من ورائها – كما قلت – الى تفسير اشتقاق اسماء الشعوب , التي وجدها في بلاد المغرب او التي تنتمي الى هذه ” الامة الليبية “, دون ان يجد لها تفسيرا , ونتساءل كم كان تعداد هذا الجيش , الذي لم نسمع به عند غيره, حتى يغير التركيبة السكانية لبلاد المغرب بالشكل الذي يذكره؟

مهما كانت رواية سالوستيوس ، فيمكننا أن نستشف منها السبق الذي منح للجيتوليين و الليبيين ، وهي الرواية ، التي يفهم منها وجود عنصرين من السكان الجيتوليين والليبيين ، الذين مكنوا سالوستيوس من إثبات بعض التمايز وان كان اختلافا في نمط المعيشة ” الحضر والرحل ” وهو وليد البيئة الجغرافية ، التي يعيش فيها كل شعب ، وقد ذهب بعض المؤرخين الى ربط هؤلاء الليبيين و الجيتوليين بشعوب ما قبل التاريخ، ومقابلة هذه الرواية بالمعطيات الأنثروبولوجية في موضوع “أصول الأمازيغ” ويذكرون وجود سلالتين تتقاسمان البلاد المغاربية أواخر ما قبل التاريخ .

خلال النيوليتيك ( العصر الحجري الحديث ) : إنسان المشتى أفالو، الذي كان امتداده تليا ساحليا ، بينما كان الانسان القفصي الفجر متوسطي يشغل المناطق الداخلية ، التي ستصبح مناطق تنقل الجيتوليين ، و هو ما يميل اليه بعض المؤرخين ، الذين يرون بعض سمات إنسان النيوليتيكي أو حتى الباليوليتيكي الأعلى ( العصر الحجري القديم الأعلى )في الأمازيغ .

*نجد آخر رواية خاصة بسكان البلاد المغاربية عند المؤرخين القدامى عند المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس ( المتوفى 562 م ) الذي يتحدث عن هجرة فنيقية نحو بلاد المغرب بعد دخول العبرانيين بلاد الشام ، إذ يقول :” إن ليبيا قبل هؤلاء كانت آهلة بشعوب أخرى، كانت هنا منذ عهود قديمة جدا ، وكان ينظر اليها على أنها الأصلية ” ، لكن عن هؤلاء الأصليين لا يقول شيئا .

تعد هذه الرواية لبروكوبيوس، الأكثر تداولا ، ونجد أثرها واضحا عند المؤرخين المسلمين الأوائل مثل الطبري والمسعودي والبكري وابن الأثير الذين قالوا أن ” أصل البربر ” من الشام وأنهم طردوا من فلسطين أيام داود (1015-975 ق.م) الذي قتل ملكهم جالوت , واستولى على القدس.

اذا كان بن خلدون قد كذب هذه االرواية ، وفند أن يكون البربر أبناء إبراهيم في قوله :” و أعلم أن هذه المذاهب كلها مرجوحة وبعيدة عن الصواب, فأما القول بأنهم ولد إبراهيم فبعيد لأن داود الذي قتل جالوت ، وكان البربر معاصرين له ليس بينه وبين إسحق بن إبراهيم أخي نقشان الذي زعموا أنه أبو البربر إلا نحو عشرة أباء ذكرناهم في أول الكتاب ، ويبعد أن يتشعب النسل فهم مثل هذا التشعب .

ودحض قصة جالوت وأنهم أتوا من ديار الشام :” أما القول بأنهم ولد جالوت أو العماليق ، وأنهم نقلوا من ديار الشام وانتقلوا فقول ساقط يكاد يكون من أحاديث خرافة إذ مثل هذه الأمة المشتملة على أمم وعوالم ملأت جانب الأرض لا تكون أمة متنقلة من جانب آخر وقطر محصور و البربر معروفون في بلادهم وأقاليمهم متحيزون بشعارهم من الأمم منذ الأحقاب المتطاولة قبل الإسلام فما الذي يحوجنا الى التعلق بهذه الترهات في شأن أوليتهم ” (ابن خلدون ، كتاب العبر ، الكتاب الثالث من المجلد السادس ص 190 ـ 191 )

كما اعتبر ابن خلدون قصة افريقش اسطورة , لا تصدق ونفى ان يكونوا حِميريين او مضريين اذ يقول  اما القول ايضا بأنهم من حِمير من ولد النعمان او مضار من قيس بن عيلان , فمنكر من القول, وقد ابطله امام النسابين والعلماء ابو محمد بن حزم , وقال في كتاب الجمهرة  ادعت طوائف من البربر انهم من اليمن ومن حِمير, وبعضهم ينسب الى بربر بن قيس , وهذا كله باطل لاشك فيه ,وما علم النسابون لقيس بن عيلان ابنا اسمه بر اصلا ) وما كان لحِمير طريق الى بلاد المغرب الا في تكاذيب مؤرخي اليمن .

ومع كل هذا ، رغم أن ابن خلدون قال في أول كلامه عن البربر أنهم جيل من الأدميين سكنوا المغرب منذ القدم شأنه في ذلك شأن بروكبيوس ، لكنه لم يتمكن بدوره مثل هذا الأخير التخلص من النظرة الدينية و الانسياق وراء “التوراة ” في الاصحاح العاشر الذي يسجل سلاسل أنساب ينحدرون من أبناء نوح ، إذ قال ابن خلدون :” والحق الذي لا ينبغي التعويل عليه في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح ، كما تقدم في أنساب الخليقة ، وأن اسم أبيهم مازيغ و اخوتهم أركيش وفلسطين و اخوانهم بنو كسلوحيم بن مصرايم بن حام ، وملكهم جالوت سمة معروفة له ، وكانت بين فلسطين هؤلاء وبين بني إسرائيل بالشام حروب مذكورة “.


يمكننا هنا أن نقدم مجموعة من الملاحظات حول رأي ابن خلدون :

1) اعتبار البربر أبناء كنعان بن نوح ، يفهم منه أن الكنعانيين حاميين ، وهو مخالف للحقيقة التاريخية ،إذ المعروف تاريخيا أنهم من الساميين الذين هاجروا منذ القرن السابع والعشرين قبل الميلاد الى الساحل السوري ، حيث كان قبلهم العموريون الذين سكنوا المنطقة الجبلية (هضبة يهوذا ) ، بينما سكن الكنعانيون السهول ، ومما يدعم هذا الرأي ان الجذر العبري للكنعانيين (ك ،ن،ع ) تعنى منخفض ، فالكنعانيون في معناها سكان المنخفض.

2) تحشر ” التوراة ” ضمن الساميين العيلاميين و اللاويين ونحن نعلم أن العيلاميين ليسوا من الساميين ، كما أقصوا الكنعانيين ، نتيجة التنافس والصراع على فلسطين ، الذي يعود الى القرن الثالث عشر ق م ، وتضم قائمة أبناء سام بناء على الاصحاح العاشر :عيلام ، أشور، أرفكشاد ، لود ، أرام و عابر ومن عابر طبعا “العبرانيون” بينما تضم قائمة أبناء حام:كوش ، مصرايم ، قوط و كنعان , وهو مخالف للحقيقة.

3) يقر ابن خلدون أن البربر أقارب الفلسطينيين وإن كانوا ليسوا منهم وفي هذا خطأ فادح ، لأن قبائل الفلسطو فرع من شعوب البحر ، التي اجتاحت الساحل الكنعاني أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، ودمرت عددا من مدنه وعندما تمكن رمسيس الثالث (1198 ـ 1166ق .م ) من صدها عند الحدود المصرية سنة 1195 ق م ،

استوطن فرع منها المنطقة الممتدة بين غزة جنوبا وجبل الكرمل شمالا ، والتي ستعرف لاحقا بفلسطين نسبة الى قبائل الفلسطو تلك ، وهي قبائل مقدونية الأصل وعندما حاولت هذه القبائل توسيع مجالها الحيوي اصطدمت بمنافسين آخرين مثل بني إسرائيل الذين كانت قبائلهم تتطلع بدورها لأخذ مكانها في الساحل الكنعاني منذ القرن الثالث عشر ق م ، و وصلت جنوب فلسطين,فأنسحب كنعانيو هذه المناطق تحت ضربات هؤلاء القادمين الجدد وثبتوا مراكزهم في سواحل لبنان حيث أسسوا أو بعثوا سلسلة من المدن الساحلية صور ، صيدا ، جبيل ،أرواد ، و كونوا الشعبى الفينيقي التاريخي .

4) بعد أن اعتبر ابن خلدون القول بأن البربر من ولد جالوت أو العماليق ، وأنهم نقلوا من الشام قول ساقط ومن أحاديث خرافة (ص190) ، يعود في (صفحة 191 ) ويقول :”إن ملكهم جالوت سمة معروفة ” ، علما أيضا أن جالوت هذا حسب الأسطورة ، محارب فلسطيني هزمه داود ثاني ملوك العبرانيين (حوالي 1015-975 ق.م) في معركة فردية ، فإذا كان كذلك ،فهو أبعد ما يكون عن البربر .


5) يمكن أن نفسر ” الأسطورة ” ، التي تجعل من البربر منحدرين من الكنعانيين الذين طردهم اليهود من فلسطين بعاملين :

أـ الذكرى البعيدة التي يكون الأفارقة قد احتفظوا بها ، لنزول الفينيقيين بالسواحل المغربية منذ أواخر القرن الثاني عشر ق م .

ب ـ انتشار هذه الفكرة في أوروبا مع انتشار المسيحية التي اعتبرت ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية بداية من القرن الرابع, فبدأ علماء اللاهوت ، يعودون الى نصوص ” التوراة ” للإطلاع على أصول التوحيد فيها ، وعلى نصوص ” الوصايا الموسوية العشر”، لصلتها الوثيقة بالعقيدة المسيحية ، ثم البحث عن تاريخ بني إسرائيل ، الذي ارتبط به نشوء المسيحية نفسها ، وهكذا أطلعوا على رواية التوراة في الاصحاح العاشر من سفر التكوين ,التي تنسب البشرية الى أبناء نوح الثلاثة ( سام , حام , يافث ) ،و أخذ بها الكثير من علماء اللاهوت والكتاب ، فتعود المؤمنون على القصة التي تعزز وتدعم ” أسطورة ” الأصول الكنعانية ، وهو ما نجده عند القديس أغسطينوس و بروكوبيوس .

إذا كانت الأصول الشرقية للبربر ، قد أخذت مكانة هامة عند المؤرخين المسلمين بتأثير ما ورد في ” التوراة ” ، فقد أفرز الاستعمار الغربي حديثا نظريات حول ” أصول البربر “، يمكننا إجمالها في مدرستين : مدرسة تدعي الأصول الشرقية الكنعانية ، الحميرية …. وغيرها وأخرى الأصول الهندو ـ أوروبية ، الكلتية ، الغالية ، الفريجية و حتى أوروبا الشمالية والهند . وهكذا دواليك ، فإنه من الصعب أن تجد بلدا كما عبر عن ذلك قبريال كومبس ، لم يذكر كوطن أم للبربر ،حتى أن الانسان يتساءل ،إن كان لابد أن تكون ” للأمازيغ ” أصول خارجية عن بلاد المغرب ؟

يمكننا أن نلاحظ أن للمدرستين توجهات إيديولوجية ومرتبطان بسياسة الإدماج ، التي مارسها الاستعمار في بلادنا ، لكن إذا وضعنا أنفسنا في إطار تاريخي بعيدا عن السياسة ، نجد أن المغاربة الحاليون ، الذين سماهم القدامى ب ” الليبيين ” أو ” الأمازيغ ” أو “البربر”، يمكننا أن نرى فيهم ذرية إنسان المشتى ـ أفالو و إنسان قفصة ، الذين وجدوا في شمال افريقيا منذ عصر الحجر المصقول .

مهما كان هذا العمق مشتوى أو قفصى، يجب آلا ننسى أنه حتى أيامنا ، أن التركيبة الأساسية لسكان البلاد المغاربية ، تنتمي الى هذا العمق البربري القديم ، الذي كان موجودا في المنطقة منذ ما قبل التاريخ ، كتركيب لم يتوقف عن الاثراء بواسطة مساهمات ” اثنية ” و” ثقافية “لم يتوقف التاريخ عن نقلها إلينا ، فالفينيقيون و الرومان والعرب ، حتى لا نذكر غير الفتوحات الكبرى ، اثرُوا كثيرا الألوان الثقافية للأمازيغ ، لكن إثنيا ، لا يبدو أن المساهمة كانت كبيرة ، فكلما تمت ظاهرة الدمج كانت تتم على مستويين :

1) على المستوى ” الإثني” ، كان المهاجرون يشكلون أقلية ينتهون بالذوبان في العنصر لأمازيغي الغالب .

2) على المستوى ” الثقافي ” كانت المساهمة انشط وأكثر تأثيرا ، لكن دون أن تتمكن من إلغاء الركيزة القديمة ، فالذين اعتبروا أنفسهم كنعانيين أو رومان قديما ، كالذين يعتبرون أنفسهم اليوم ” عربا ” ساهموا كلهم في هذا العمق ” الليبي ” القديم دون إلغائه.

ربما فصلت بعض الشيء في الاجابة على هذا السؤال , وذلك لاعتباره البيت القصيد في هذا الجواب لكن اقول , اذا كانت بعض الدول الكبرى الان تتعايش بتركيبات سكانية من كل اصقاع العالم , و الكل يفخر و يعتز بانتمائه لهذا البلد الذي لا يتجاوز بضعة اجيال في احسن الاحوال , ونحن الذين تضرب جذورنا في اعماق هذا الارض و نتناحر بإيعاز من الاخر , الذي يريد ان يسود و كما ساد اسلافه البارحة ,فإذا كان لا شيء يجمعهم الى الوطن الثاني غير الجنسية ,فان رابطة الدين و التاريخ و الثقافة هي الجامع عندنا ,

و يبقى دور الاسلام في المجتمع الجزائري , و الشعور بالانتماء اليه , يبقى في نظرنا هو البنيان المرصوص, الذي يشد بعضه بعض , اما فكرة تجانس ” الامة ” فهي تبقى فكرة نسبية ,يقصد اليها على رأي البعض , وتظل بعيدة المنال , لأنها لا تتماشى و الحركة الجدلية لحياة البشر , التى تجد قوامها في التعقد و التنوع و الاختلاف , يبقى فقط ان نكون على وعي بما نريد و ما يرده بنا الاخر.


س/5 قد تلاحظون سيدي الكريم أن تاريخ المغرب القديم تتجاذبه مدارس وتيارات ذات خلفيات مختلفة ،فما هو الفاصل بين ما هو علمي وما هو أيديولوجي أو حتى سياسي ؟

جـ/5 يمكنني القول إن لم أخش الخطأ :” أن العلم حديثا ، أصبح في خدمة الأيديولوجية والسياسة ” والسباق العلمي فيه خلفيات أيديولوجية ، حتى الدول التي تبدو متقاربة ، توجد بينها صراعات خفية على مناطق النفوذ والمصالح ، وفي صالحها دائما خلق بؤر التوتر ، وتعمل على عرقلة أية دولة لها إمكانيات النهوض خارج إرادتها ، وبالتالي يمكن أن تكون المصالح هي الفاصل.

إذا كنا تحدثنا سابقا عن مدرسة غربية ليبيرالية و أخرى شرقية اشتراكية ، فإن الأخيرة بدأت تفقد كيانها ، وربما بدأت المدرسة الغربية أيضا تنقسم على ذاتها الى مدرسة أنجلو-ساكسونية مع المد الأمريكي ـ الأسترالي ـ الإنجليزي ومدرسة أوروبية تعرف تناقضات داخلية ، مما جعل العالم الآن ، يعيش الكثير من التناقضات ، التي سببها المصلحة ، ونحن نتفرج ونتلهى .

هذا بصفة عامة ، أما في مجال التاريخ ، فيمكننا القول أن تاريخنا تتجاذبه مدرستان وقد اشرنا لهما سابقا عندما تكلمنا عن اصل السكان خاصة مع ظهور الحركات القومية في اوروبا و امتدادها الى الشرق مع ظهور حركة القومية العربية , وتراجعت حركة الجامعة الاسلامية , فأصبح الكل يدعو لأصوله و يعمل على صون خصوصياته , وقد وجد الغرب ضالته للعب على وطر الاقليات , حماية الاقليات ثم حقوق الانسان , و الجميع يدفع الثمن.


س.6/ هناك تحامل كبير و تشويه تعرض له تاريخ البلاد من ازلام المدرسة الكولونيالية و اذنابها , فكيف تُقيمٌ تلك المدرسة وكتاباتها ؟

ج.6/ لاشك ان تاريخنا , تعرض لعمليات تشويه ,مست مختلف مراحله ,بدرجات متفاوتة خاصة منه القديم والتاريخ الاسلامي , وهو في حاجة الى اعادة قراءة وفق منظورنا الوطني , كفانا اجترار و اعادة قولبة ما كتبه رواد المدرسة الكولونيالية , و التوجه الى المصادر التي استخدمها هؤلاء الذين وجهوا محتواها لما يخدم وجود فرنسا في الجزائر البارحة ويخدم مصالحها اليوم , و نستخرج منها ما يخدم مكونات امتنا و مصلحة وطننا وشعبنا , وبدلا ان نكيل التهم لهذه المدرسة وتبقى شغلنا الشاغل ,

لماذا لا نواجه الكلمة بالكلمة و الفعل بالفعل , وبغير ذلك لن نقدم ولن نؤثر على اعمال هذه المدرسة , التي يقف الانسان امام اعمالها مشدوها لعمق محتواها , وكثرة انتاجها و دقته ,اما عن المحتوى الفكري فتبدو فيه ذاتية اصحابها و التزامهم بالقضايا , التي تخدم وجود فرنسا في بلادنا , وان كنا نقر انها ليست عديمة الفائدة , لكن يجب اخضاع محتواها لغربلة , و دراسة نقدية , واعية نظرا لما تحمله من مزالق.

وقد سلطوا اقلامهم على نقاط حساسة مازالت اثارهم بادية بعد ازيد من نصف قرن من الاستقلال,فقد ركزت هذه المدرسة على تعاقب المحتليين وفكرة ”الاجنبي يطرد الاجنبي” مع التجاهل الكلي للكيان الوطني في هذا المنظور ,فملوك الجزائر لم يكونوا عند أ.ف قوتيه غير رؤساء قبائل من ماسينيسا الى الامير عبد القادر .

بينما يرى قزال ان السلطة عند الاهالي ما هي الا سلطة فردية , تغتصب بالقوة , وتعتمد على عصبية قبلية , وتنحصر في اسر معينة , تعتبر الارض ملكا لها , والشعب مجموعة قبائل خاضعة يمثلها شيوخها عند الملك .

من الدولة النوميدية قديما الى امارات القرن الخامس – السادس الميلادي الى الرستميين و الحماديين و الزيريين … حتى دولة الامير عبد القادر ,كلها من منظور هذه المدرسة محاولات فاشلة , ظهرت نتيجة تصاعد الرفض الارعن للنظام الاجنبي.
وفي هذا السياق , طرحوا قضايا تتعلق بأصول السكان ,و البحث عن اصولهم و جذورهم خارج الشمال الافريقي ,لإثبات فراغ في المنطقة من محتواها البشري الاصيل , و اعتبارها منطقة تواجد و استيطان اجنبي.

اللعنة الجغرافية :
رغم اعترافهم بالوحدة الجغرافية لبلاد الاطلس , غير انهم اعتبروا الجغرافية هي المسؤولة عموما عن عدم تحقيق الوحدة و يفسرون ذلك :

– عدم وجود مركز حيوي بإمكانه ان يكون محورا مركزيا للبلاد يجمع حوله المناطق المجاورة .

– امتداد السهوب و الصحراء على مساحات واسعة تشكل في نظرهم عوائق لإنجاح قيام الوحدة , وهو ما يفسر من هذه الوجهة ,التعاقب الاجنبي و راحوا يركزون دراستهم في هذا الاتجاه متجاهلين دور الاهالي في تاريخ المنطقة.

– تباين التضاريس يؤدي , الى تباين المناخ و الغطاء النباتي ,و هو ما نتج عنه ثنائية في نمط المعيشة ” البدو و الحضر” و ما نجم عن ذلك من تباين و حتى تناقض في المصالح الاقتصادية , فنجم عن ذلك تطاحن ابدي بين البدو و الزراع و هو ما عبروا عنه بنقمة الطبيعة ,متناسيين ان هؤلاء البدو – الرحل , كان لهم دور مهم في الحياة الاقتصادية , فقد كانوا في الوقت نفسه منتجين وتجارا وناقلين , كانوا يعرضون منتجاتهم من اصواف و جلود و ويضمنون التبادل التجاري بين الشمال و الجنوب في ما يخص منتجات القمح و الزيت و المنسوجات و التمور وقد وجد الحضر عندهم المساعدة في نقل محاصيلهم بعد الحصاد على ظهور جمالهم .


هكذا تنعكس الصورة التي يقدمها رواد المدرسة الكولونيالية من الصراع و التطاحن الابدي , الى التبادل و التعاون بين هؤلاء البدو الرحل و الحضر .

هكذا نلاحظ العجز الطبيعي للأرض و للإنسان الذي يعيش عليها وتبرير ظاهرة الاستعمار على انها حتمية تاريخية ايجابية لابد منها لمساعدة البلاد على تجاوز هذا العجز الابدي .

– تجزئة السكان الى وحدات عرقية متمايزة بتمايز الاقاليم الجغرافية , وجعلها تحمل في طبيعتها من خصائص التضاد اكثر مما تحمل من عوامل التآلف والانسجام .


في هذا المنظور تبدو شمال افريقيا محكوم عليها بالتقسيم والتبعية الدائمة و طبعا لا نحتاج الى ذكاء حاد وفطنة خارقة لاكتشاف الغرضية والنزعة الاستعمارية في مثل هذه الطروحات .

اما في المجال الاثني (thniqueé), فرغم صلات القرابة الاثنية و اللغوية , كانت واضحة جدا لدى هؤلاء, وقد اعترف بها كومس (Camps.G) و غيره من مؤرخي المدرسة الكولونيالية , لكن هذا لم يمنع كومس من القول ان هذه الوحدة الاثنية و اللغوية , لم تتمكن يوما من تحقيق وحدة اقليمية ,بل تساءل بعضهم عن مدى ادراك هؤلاء لهذه الصلات, ليخرجوا بنتيجة مفادها انعدام هذا الشعور الوحدوي ,اضف الى ذلك القبلية السائدة , و هي روح تساعد على النفور الذي يكون نتيجة المنافسة و الحسد , وتعترض توحيد الجهود.


اذا كان كذلك , كيف نفسر النجاح الذي تحقق على يد الملك ماسينيسا ؟ ايعود فقط الى شخصية ماسينيسا ؟ الا توجد عناصر القوة , و روابط التماسك و الالتحام استمدها من العصور السابقة له , بالفعل كانت هذه العناصر موجودة في وحدة اثنية و لغوية و ترابية ,ساعدت كلها على الاستقرار و الشعور بالانتماء الى هذه الارض ,هو شعور كان الموجدون على الضفاف الشمالية للبحر الابيض المتوسط , يعملون دائما على قتله فينا ,بهدف ضمان ,تشتيت و تمزيق المنطقة و في ذلك ضمان ووقاية لمصالحهم ,

فإذا كان طموح ماسينيسا و يوغرطة , اصطدم البارحة بمصالح روما وطموح بن تومرت وعبد المؤمن ,اصطدم بالمصالح الصليبية ,فإننا اليوم نصطدم بمصالح باريس و واشنطن, ومن يدري قد يدفعنا يوما شعورنا بذاتنا الى تحليل نكسات الماضي, حتى تكون دافعا لنا لبناء المستقبل لأنها في رأينا نكسات ظرفية مادامت لا تمس البناء الثابت فينا.


س.7/ هناك نزعات ,اصبحت واضحة في الحديث عن السكان وتاريخ المنطقة ومن اهمها النزعتان العروبية و البربرية ,فما هو موقفكم من كلتا النزعتين ؟

ج.7/ ما بناه الاستعمار خلال 132 سنة ليس سهلا, القضاء عليه ,فضلا عن ان خروجه لا يعني اخلاء الساحة ,فهناك ازلام و اذناب من النزعتين تابعين للشرق و للغرب ومن النزعتين.
فالتهجم الذي تتعرض له بعض الشخصيات الوطنية من كلتا النزعتين ,لا تبدو لي عفوية , و إنما الهدف منها اثارة الفتنة , و الفتنة تخدم اعداء الداخل و الخارج ,و الخاسر الاكبر هو الشعب الجزائري .


س.8/ قد تلاحظون ان تاريخ المنطقة اصبح محل جدل بين من يريد التركيز على ماسينيسا و يوغرطة و بين من يريد التركيز فقط على خالد وعقبة , فما هو تعليقكم ؟

ج.8/ في الواقع إذا كنت اعترف ان السياسة الممارسة في بلادنا طيلة الفترة الاستعمارية لأزيد من قرن و ثلث القرن , ليس سهلا التخلص منها ,فإنني اعترف ان السلطة الوطنية بعد الاستقلال , مسؤولة بقدر كبير , لأنها وقعت في نفس المستنقع , وتمادت لا في التنكر لشريحة واسعة من المواطنين , و اكثر من ذلك في إثارة المواطنين على منطقة بعينها , لتبرير فشلها , او بالأدق استجابة و إرضاء لأطراف و توجهات قومية كانت سائدة دون قراءة للواقع الوطني , حيث كان الجامع هو ” الاسلام “و ليس “القومية ” , فالدعوة الى قومية ” معينة ” كان لابد ان يكون لها انعكاس و رد فعل من الاطراف الاخرى , مما يولد التشنجات .


س.9/ هناك من اصبح لديه حساسية من كل ما هو عربي و حتى اسلامي في الجزائر و بالمقابل يوجد من لا يريد الحديث عن البربر و اعلامهم و حتى الامازيغية و لكل مبرراته , فكيف تنظر للمسألة و هذا التباين ؟

ج.9/ الموقفان من وجهة نظري هي عقابيل السياسة الاستعمارية في شمال افريقيا بصفة عامة و الجزائر بالخصوص , ,التي وصلت و تمكنت من جعل الانسان عدو نفسه , مثلما هو عدو الاخر , وعندما جاء الاستقلال عوض ان يخفف من سياسة ” فرق تسد ” , التي لا تخدم احدا غير استعمار الامس و اذنابه اليوم , و امام عجز السلطة الوطنية عن الاستجابة لطموح الشعب في النهضة الاقتصادية , و الانطلاقة الثقافية و امام عجزها عن تحقيق طموح الشعب في النهوض بالبلاد و اخراج الشعب من البؤس و الحرمان الذي عانى منه طيلة الفترة الاستعمارية ,التي استحوذ فيها المستوطن على خيرات و موارد البلاد.

عجز هذه السلطة عن الاستجابة لطموح الشعب في النهضة الاقتصادية و الثقافية , نتيجة محدودية تكوينها, وارتمائها في احضان الناصرية و القومية العربية متنكرين تماما لمكونات جزء من المواطنين ,ان زاد الجرح عمقا ,تعلمون ان الامر وصل في الستنيات و السبعينيات الى حد منع التلاميذ من التكلم بلغة امهاتهم في ساحات المدارس .

من الصعب ان يشعر الانسان بالإقصاء , هل تعلم ان بعض الكفاءات , لم تتبوأ بعض المناصب إلا لسبب افكارها او بسبب انتمائها لبعض المناطق و وهذه حقائق مُرٌة , صعب ان يشعر الانسان بالغربة في وطنه وبين اهله .

لاشك ان السلطة الوطنية تتحمل قدرا كبيرا من المسؤولية فيما ال اليه الوضع ,فعوض ان تعمل على تلاحم الشعب المنتشي بنشوة الانتصار لجأت الى تأليب الشعب على نفسه لضمان ديمومتها,و ما حادثة “رأس سيقلى” الا نموذجا لتخوين منطقة و تأليب الجزائريين عليها .

لقد اعطى الحراك درسا فعلا عن التلاحم الوطنى,عندما يدرك الشعب انه مغرر به منذ الاستقلال ,منذ 1962 كم كنا نتمنى لهذه الهبة الشعبية ,ان تصل الى اقصاها ,الى بناء جمهورية ثانية ,جمهورية ديمقراطية حقيقية , تسود فيها المساواة بين المواطنين , تسود فيها حقوق الانسان , تسود فيها العدالة الاجتماعية .


س.10/ سيدي الفاضل بالرجوع الى المدرسة الكولونيالية , لماذا ركزت فرنسا على منطقة القبائل ( تيزي وزو- بجاية ) بالتحديد وتبنت المسألة البربرية , وأقامت لها محافل وأكاديميات في حين أن هناك مناطق اخرى أهملت من طرف فرنسا مثل الاوراس, باتنة تبسة , حيث الشاوية او النمامشة او حتى الهوقار والتاسيلي حيث الطوارق مع ان جميعهم بربر او امازيغ في الاصل ؟

ج.10/ المدرسة الكولونيالية , لم تكن من الغباء لهذه الدرجة , حتى تركز على منطقة دون اخرى ,المدرسة الكولونيالية, لم تترك اي شبر من البلاد المغاربية , وليس الجزائر فقط , ولم تقم بالسبر فيه , هل ما قام به شارل دي فوكو(1858-1916),هذا الضابط العسكري ,الذي تحول الى قس , جاب الصحراء الجزائرية , قبل ان يستقر في تمنراست قليل.

وهل ما قام به شارل لافيجري (1825-1892) مطران الجزائر 1866,ومؤسس حركة مبشري افريقيا المسماة ”الاباء البيض” قليلة , والظهير البربري بالمغرب الاقصى , في الواقع من يطلع على اعمال الرواد الاوائل من الضباط العسكريين و الاداريين وما سخر لهم من امكانيات وما نشروه من اعمال و افكار حول الاوراس – النمامشة ,الهوقار – التاسيلي وجرجرة ينبهر ,ثقوا أنهم لم يتركوا مكانا للصدفة .

الذي وقع أن منطقة القبائل , كانت في الواجهة بالنسبة للاستعمار البارحة , مثلما اصبحت في الواجهة بالنسبة للسلطة الوطنية , والسبب في ذلك يكمن في بروز حركة وعي بمفهوم ”المواطنة ” في المنطقة , بدأت معالمها , تتبلور في اذهان الناس منذ اوائل القرن العشرين , وكان ذلك نتيجة حركة هجرة كثيفة نسبيا لأبناء منطقة القبائل نحو اوروبا عموما وفرنسا بالخصوص, و تأثرهم جراء ذلك بمفاهيم و افكار الحركات القومية والعمالية –لاجتماعية و السياسية – التي ظهرت في اوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, مما جعلهم, يتخلون تدريجيا عن فكرة العرش لصالح فكرة ”الوطن ”.

و يكمن العامل الاخر في دور الحركة الوطنية بمختلف توجهاتها, خاصة الاتجاه الاستقلالي , الذي ظهر اول ما ظهر في أوساط العمال المهاجرين في فرنسا ,وهو الاتجاه الذي تجاوز في برنامجه الاطار ”الوطني” الى ” الاطار المغاربي” و رغم الانفصال الذي وقع فيه بداية من سنة 1933 باستقلال الجزائريين بالعمل السياسي في ”نجم شمال إفريقيا ” لكن الفكر ظل دائما وحدويا مغاربيا ,

ونظرا لدور ابناء منطقة القبائل في الحركة الوطنية بمختلف توجهاتها خاصة في التيار الاستقلالي (النجم ,حزب الشعب ,حركة انتصار الحريات الديمقراطية), اذ من مجموع مناضلي , حزب الشعب , حركة انتصار الحريات الديمقراطية , البالغ ما يزيد قليلا عن خمس عشر الف مناضل ,نجد أزيد من احد عشر الف مناضل من منطقة القبائل , فكان من الطبيعي ان يساهم هذا النضال في تنمية الوعي بالمواطنة في المنطقة .


هذا الوعي هو الذي اقلق السلطة الوطنية بعد الاستقلال , وجعلها تقوم لتغطية عجزها بتأليب الشعب على نفسه او على مناطق محددة , كانت تقف دائما حجرة عثرة في وجه سياستها الديماغوجية العرجاء , ومحاولة وأد هذا الوعي في المنطقة , بتهمة الجهوية حتى لايمتد تأثير المطالب الى جهات اخرى , وكانت السلطة على استعداد حتى لإثارة الفتنة لضمان دوامها , وتغطية عجزها وهو العجز الذي اتضح للعيان بعد ازيد من نصف القرن من الاستقلال .

 

س.11/ سيدي الكريم بعد الاعتراف الرسمي للدولة الجزائرية بالأبعاد الثلاثية للهوية (العربية الاسلامية ,الامازيغية) وبعد ترسيم الامازيغية كلغة وطنية تدرس في المدارس .هل بقي شيئ من ازمة الهوية و الانتماء لبلدنا ؟

ج.11/ لاشك ان الاعتراف الرسمي باللغة الامازيغية لغة وطنية رسمية ,قد سدٌ علينا بابا من الابواب , التي يأتينا منها الاذى .اما عن تدريسها في المدارس ,فهو ذر للرماد في العيون ,فهل هناك لغة وطنية ورسمية في العالم تدرس “اختيارا”تدرس في عدد من المدارس ,لايعدُ بعدد الولايات , هي خطوة فعلاً خففت من الازمة , وقضت على الكثير من التشنج , لكنها خطوة يجب ان تتبع بخطوات تجعل كل الجزائريين ,يشعرون بوجودهم في هذه “اللغة” و يشعرون انها تعنيهم , وتميزهم عن الاخرين.


س.12/ في الاونة الاخيرة نشر لكم موقف من تمثال ماسينيسا, حيث احتج البعض ومنهم من فضل تمثال يوغرطة بدل ماسينيسا ,باختصار اين المشكلة في كل هذا الجدل ؟

ج.12/في الواقع , موقفي لم يكن من تمثال ماسينيسا , و انما موقفي من احداث تاريخية لم يكن المتحدث يتحكم فيها ,عندما انكر اية علاقة للملك ماسينيسا بمنطقة الجزائر العاصمة , بدعوى انها كانت تابعة في عهد هذا الملك لموريطانيا القيصرية , وان حدود مملكة نوميديا في عهد الملك ماسينيسا, لا تتجاوز الحدود الغربية لمدينة سطيف , وموريطانيا القيصرية تم تأسيسها في القرن الاول الميلادي , وهو شأن سطيف , وهو يتحدث عنها في القرنين الثالث الثاني قبل الميلاد, دون ان يكون على علم بذلك , وغيرها من الاخطاء التاريخية ,التي لا تغتفر لأستاذ التعليم العالي , اقحم نفسه في موضوع لا يتحكم فيه ,ثم يتنكر لوجود الامازيغية و الامازيغ ونحن أحياء نرزق .

اما ان يوضع في هذا المكان تمثال لماسينيسا او يوغرطة كما يقول او ابن تومرت او عبد المؤمن بن علي او الامير عبد القادر او العربي تبسي او عبد الحميد ابن باديس, فالأمر سيان بالنسبة لنا ,و لا نقصي أحدًا, و لا نقول مدينة او مسقط رأسه كذا او كذا , فالشخصيات الوطنية , يبقى بعدها وطني, ويجب ان تحترم من الجميع .

 

س.13/ سيدي الكريم لاشك انكم متابعون للحراك الشعبي في الجزائر , فهناك من يزعم ان ازمتنا ازمة هوية قبل ان تكون سياسية اجتماعية و اقتصادية و ماهو تحليلكم ؟

ج.13/ انا لا اشتغل على السياسة , لكن في هذا الموضوع يمكنني القول ان ازمتنا , ازمة متعددة الابعاد ,ازمة هوية مادام الكثير منا مازال يتنكر لجزء من تاريخه ,اذا كان همٌ الاستعمار البارحة هو تشويه تاريخنا , فان منا اليوم من يتنكر له , الجهوية وعدم تقبل الاخر , يشكل خطرا على الجزائر الرابح منا خاسر ,اقتصادية لدرجة اننا عجزنا عن تنمية البلاد و تنويع الاقتصاد ايام البحبوحة المالية , واجتماعية , باعتبار اننا نتحدث عن المساواة الاجتماعية و الفوارق تزداد الاغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا في غياب ادارة وسلطة تفرض منطق القانون على الجميع .


س.14/ ماهو تعليقكم على رفع الراية الامازيغية في الحراك و موقف قيادة الاركان منها ؟

ج.14/في الواقع كنا تساءلنا انذاك (الاسبوع الثامن عشر للحراك)عن الهدف من افتعال مشكل الراية في ذلك الوقت ,وتساءلنا ان كان هناك من تنكر للراية الوطنية , التي كانت ترفرف عاليا في كل بقاع الجزائر ,وعلى صدور كل الجزائريين و في قلوبهم .

وقلنا ان الراية الاخرى لم تكن راية بديلة , وليست راية اقلية في الوقت نفسه , وتساءلنا , ان لم يكن الهدف هو اثارة الفتنة باستفزاز و اثارة و تحريض المواطنين للمواجهة مع رجال الامن (من شرطة و درك), لإعلان حالة الطوارئ.

يبدو ان اتخاذ هذا الموقف لم يزد الامر إلا تشنجا من ناحية , ووضع السلطة القضائية في تناقضات بالكشف عن احكام متناقضة بين ولاية و أخرى , و في ذلك اساءة لهذه السلطة , التي تظاهرت مع بداية الحراك بالوقوف الى جانب الشعب , لكن سرعان ما كشفت عن حقيقتها وعرٌتها الاحداث.

 

س.15/ في الختام هل ترون الانتخابات حل اكيد في الخروج من الازمة ام انتم من انصار اعادة الهيكلة وتأسيس جديد للنظام ؟

ج.15/ بعد الحراك وما اظهره من وعي ابهر العالم بسلميته , وبعد انكشاف النظام على حقيقته وانكشاف ممارساته , كان لنا امل الذهاب الى جمهورية ثانية , ببرلمان تعددي , حقيقي يمارس فيه النواب صلاحيتهم و سلطتهم المخولة لهم حقيقية ,و الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية , التنفذية , القضائية)

لكن في النهاية نحن ذاهبون لانتخابات من اجل الانتخابات , لا اكثر و لا اقل , بنفس وجوه النظام السابق , تم الاستنجاد بهم لضمان في احسن الاحوال خروج مشرف لبقايا العصابة , ان لم يكن الاجتثاث على رقابنا.

أ.د . محمد الهادي حارش
عين البنيان – الجزائر-01/12/2019

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً