ديسمبر 2007, مبادرة ثلاثي الحكمة, أيت أحمد, مهري, وحمروش

ديسمبر 2007, مبادرة ثلاثي الحكمة, أيت أحمد, مهري, وحمروش

ديسمبر 2007 …. الثلاثة الذين في الصورة أطلقوا مبادرة ، تحث الرئيس بوتفليقة آنذاك ، على ضرورة إصلاحات جذرية لإخراج البلاد من الأزمة ….. منذ 12 سنة ، تنبأ الحكماء الثلاث بخطورة الوضع الذي وصلنا إليه ، في ظل حكم بوتفليقة المبني على الظلم ، الفساد ،النهب ، الرشوة ، المحسوبية ، الشيتة ، الرداءة ….. و خاصة انهيار مؤسسات الدولة التي أصبحت وسائل لتكريس الفساد ، و ليست وسائل لخدمة الشعب أو لبناء الوطن …… مما عمق الهوة بين الشعب المظلوم ، و طبقة من السياسيين و الإداريين و أرباب المال الفاسد التي دمرت البلد إقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا و أخلاقيا ……. مبادرة أمضاها آنذاك ، ثلاث شخصيات لعبت دورا مهما في تاريخ بلدنا :

– حسين آيت أحمد : كان عمره آنذاك 81 سنة …. الرجل الرمز ، زعيم جبهة القوى الإشتراكية ، أحد أبطال شعبنا ، رئيس المنظمة الخاصة ، من الذين فجروا ثورة التحرير المباركة ، ديبلوماسي مثل الجزائر في المحافل الدولية خلال الثورة ، قبل سجنه ، أول و أكبر معارض للنظام المستبد بعد الإستقلال … السياسي الكبير الذي درس في كبرى جامعات العالم ، و كان أحد تلامذته الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون ، آيت أحمد الذي لبس في الإجتماع ربطة عنق برتقالية …. و هي في لغة اللباس السياسي رمز الحكمة و الحوار و الأمل … و هو الذي كان يجيد فن الإيحاءات و الإهتمام بكل التفاصيل …. …. دا لحسين الرجل الحكيم المحافظ ، إبن جبال جرجرة الشامخة الذي حفظ القرآن و عمره 12 سنة …. الرجل الذي عمل كل ما بوسعه للإبقاء على المسار الإنتخابي و تشكيل حكومة وفاق مع الفيس و الأفالان …. و الوقوف في وجه الجنرالات الذين قرروا رمي البلد في بركان من الدم ….. الرجل الذي عارض و بشدة ، سياسة بوتفليقة التي أدت بنا إلى مانحن عليه اليوم …. حتى توفي سنة 2015 ، رحمه الله تعالى ….

– عبد الحميد مهري : الرجل الحكيم الذي كان عمره آنذاك 81 سنة كذلك ، إبن الخروب جنوب قسنطينة ، أين يوجد ضريح الملك الأمازيغي ماسينيسا ، المناظل في حزب الشعب الجزائري ، عضو اللجنة المركزية في حركة انتصار الحريات الديمقراطية ، المجاهد الكبير الذي كان وزيرا في الحكومة المؤقتة ، و وزيرا بعد الإستقلال …. البطل الذي كان رئيسا للأفالان في التسعينات و وقف صامدا في وجه الجنرالات الإنقلابيين ، رافضا وقف المسار الإنتخابي ، رافضا العنف و الظلم و الفتنة و المساس بمكونات الهوية الجزائرية …. حتى اضطر لمغادرة رئاسة الأفالان سنة 1996 ، الرجل النزيه الذي بذل كل جهده لإخراج البلد من الأزمة … الرجل الذي عارض بشدة عودة بوتفليقة و تدميره للبلد …. الرجل الذي توفي سنة 2010 رحمه الله تعالى ، رافضا أن يذهب للعلاج في الخارج … كما فعل العديد من الإنتهازيين …..

– مولود حمروش : رئيس الحكومة الأسبق ، أصغرهم سنا ، كان عمره آنذاك 64 سنة ( 76 سنة اليوم ) ، رئيس الحكومة الوحيد الذي قام بإصلاحات فعلية نهاية الثمانينات و بداية التسعينات ، نظم الإنتخابات الوحيدة في تاريخ بلدنا التي وصفت “بالنزيهة ” ، إعترف فوز الفيس و كان مستعدا للتفاوض من أجل حكومة وفاق وطني ، لكنه استقال لما بدأ العنف في جوان 1991 ، و أصبح معارضا للإنقلاب الدستوري الذي قام به الجنرالات و الذي أدى إلى مآسي العشرية السوداء ، لما جاء بوتفليقة كان حمروش من أبرز معارضيه ، و اشتهر بذكائه السياسي و تحليلاته الإستشرافية العميقة …. حمروش كذلك مجاهد و من عائلة ثورية، و قام شخصيا بعدة عمليات فدائية في قسنطينة مسقط رأسه ، قبل أن ينتقل إلى تونس

مبادرة الثلاث ، آنذاك ، كانت تطالب الرئيس بفتح اللعبة السياسية و تأسيس حوار وطني شامل ، لتغيير جذري و كامل ….. بعد 12 سنة ، الأزمة السياسية بلغت ذروتها … الشعب الذي خرج في 22 فيفري للمطالبة بإلغاء مشروع العهدة الخامسة ، التي مست الجزائريين في كبريائهم …. أصبح اليوم يطالب بتغيير جذري و شامل ، و قطيعة مع نظام بائس استولى على الحكم و نهب خيرات البلد منذ 1962 ……

خطاب قائد الأركان أمس و اليوم كان يصب في نفس الإتجاه : ضرورة الحوار ……. البعض اعتبره خطابا جافا و فارغا … لكن بعد أن قرأت الإثنين بتمعن استنتجت النقاط التالية :

– إنتخابات 4 جويلية ألغيت تماما ، القايد لم يذكرها أصلا

– دعوة القايد إلى الحوار تعني أمرا واضحا : الجيش يريد حلا سياسيا ، الجيش اعترف ضمنيا أن الحل الدستوري البحت غير ممكن و سيدخلنا في الجدار ، كما أن تعطيل الدستور و إلغاءه أمر غير ممكن تماما لأن عواقبه ستكون وخيمة : فالإستقطاب على أشده وسط السياسيين و وسط الشعب ، البقاء في مناخ دستوري أمر ضروري جدا لتوفير الحد الأدنى من الإستقرار

– الجيش يعترف أنه ضيع الكثير من الوقت ، و أن حل الأزمة في أقرب وقت أصبح أمرا ضروريا

– الإنتخاب هو الحل الوحيد للأزمة ، لذلك يجب توفير كل شروط نجاحه ، و توفير كل الضمانات لانتخابات حرة و نزيهة ، و أولها اللجنة المستقلة لتنظيم الإنتخابات التي يجب أن تشكل في أسرع وقت ممكن

– المؤسسة العسكرية لم تركز هذه المرة على محاربة الفساد ، لأن ملفات أغلب الفاسدين الذين طالب الشعب برؤوسهم هي الآن بيد القضاء …. بعد إتمام اجراءات رفع الحصانة عليهم ، خاصة أويحيى و سلال و بن يونس و غول … و آخرهم طليبة ، صهر القايد ، الذي سيمثل أمام القضاء قريبا …. و كأن الجيش انتهى من مرحلة محاسبة الفاسدين و سلمها للقضاء ، و هو الآن يدخل مرحلة أخرى : إيجاد أفضل حل سياسي للأزمة ، حل يتماشى و روح الدستور ، يرضي كل مطالب الشعب ، و تتبناه كل الأطياف السياسية … و هذا لن يكون إلا بحوار صريح و شفاف و تنازلات كبيرة من جميع الأطراف في سبيل مصلحة الوطن ….

– الجيش يريد قطع الطريق على كل دعاة الفتنة ، الذين يريدون إطالة الأزمة و تعقيد الوضع … من أبواق الشر في الداخل و الخارج ، و من فلول النظام البائس الذي لا يزال يخطط لتفجير الوضع

إذا نستنتج أن المؤسسة العسكرية الآن ، و هي الحاكم الفعلي في البلاد في هذه الفترة و لا يجب إنكار ذلك أو إخفاؤه ، تبحث عن الحل السياسي الذي طالما نادينا به ، و طالما طالب به الشعب ، مع البقاء في مناخ دستوري ، أي المزاوجة بين الحلين السياسي و الدستوري ، إذا تمسكت المؤسسة العسكرية بوعودها فقد نشهد بوادر الإنفراج قريبا بإذن الله، أما إذا استمرت في المماطلة و المراوغة و البطء في اتخاذ القرارات فقد تخسر تأييد الشعب ، و قد يفتح ذلك الباب أمام دعاة الفتنة و العنف الذين ينتظرون الفرص المواتية كالغربان …… نحن الآن في فترة حاسمة يا سادة ، إما أن تقفوا مع الشعب و مع مصلحة البلد العليا ، و نخرج بإذن الله جميعا من الأزمة ، و إما يتشبث كل واحد منكم بإيديولوجياته الضحلة و أجنداته الرديئة ، و أفكاره السطحية ، و مصالحه الضيقة .. … و سيؤدي ذلك إلى غرقنا جميعا في فتنة لا قاع لها …..

 

حرر من طرف معمر أمين بوسنة

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً