ذكرى إغتيال محمد بوضياف

ذكرى إغتيال محمد بوضياف

29 جوان … الذكرى 27 لاغتيال الرئيس الرمز محمد بوضياف رحمه الله تعالى …. كي لا ننسى !!

يوم أسود في تاريخ بلدنا …. يوم اغتالوا فيه بطل من أبطال شعبنا …. أحد الأسود الذين فجروا ثورتنا …. يوم اغتالوا فيه الأمل الذي أضاء قلوب الجزائريين لما عاد بوضياف إلى أرض الوطن لإنقاذ بلدنا من الفتنة التي اندلعت بسبب وقف المسار الإنتخابي … كان اليوم جميلا جدا … كان عمري آنذاك 13 سنة لكني أذكر جيدا صبيحة تلك الجمعة …. الجمعة التي اغتالت فيها يد الغدر رئيس الدولة الجزائرية على المباشر ، في وضح النهار و أمام أعين العالم بأسره …. ليدخل بلدنا في كابوس حقيقي لا زلنا نعاني من تبعاته إلى اليوم …… رحمك الله يا أيها البطل ، و احتسبك عنده من الشهداء ، و جمعنا بك في فردوسه الأعلى ……

ولد محمد بوضياف يوم 23 جوان 1919 بأولاد ماضي ( ولاية المسيلة ) وسط عائلة إقطاعية معروفة بالمنطقة ، حفظ القرآن الكريم ، التحق بالمدرسة الابتدائية ببوسعادة ، ثم واصل دراسته حتى أصبح موضفا بمصالح الضرائب بمدينة جيجل ، في سنة 1942 جند في الجيش الفرنسي برتبة معاون للمشاركة في الحرب العالمية الثانية ، أين انتقلت كتيبته إلى إيطاليا و شارك سنة 1944 في معركة مونتي كاسينو الشهيرة التي غيرت مجرى التاريخ ، رفقة كريم بلقاسم ، العربي بن مهيدي و رابح بيطاط الذين كانوا مجندين كذلك …. و لم يكونوا يعرفون بعضهم البعض آنذاك ….

بعد مجازر 8 ماي 1945 التحق محمد بوضياف بحزب الشعب الجزائري ، لما رأى بشاعة المستعمر الفرنسية و وحشيته في قمع المتظاهرين العزّل ….. كان بوضياف ذكيا جدا و مثقفا من الطراز الأول ، مما جعل منه أحد قياديي المنظمة الخاصة ( OS ) التي كان يرأسها محمد بلوزداد ثم حسين آيت أحمد ، و كان الهدف منها التحضير للعمل المسلح ، كان بوضياف رئيس المنظمة الخاصة في شرق البلاد ابتداءا من 1947 ، لكن في سنة 1950 اكتشف الفرنسيون المنظمة الخاصة و قاموا بحلها و اعتقال قادتها ، لينتقل محمد بوضياف سنة 1952 إلى فرنسا ، حيث أرسلته قيادة حركة انتصار الحريات الديمقراطية ( حزب الشعب سابقا ) في مهمة خاصة لتعبئة الجزائريين هناك و تنظيم صفوف النضال السياسي ….

في سنة 1954 عاد بوضياف لأرض الوطن ، و بدأ مع مجموعة من المناضلين في تنظيم الثورة المسلحة … في 23 مارس 1954 تم إنشاء اللجنة الثورية للوحدة و العمل برئاسة بوضياف ، التي انبثقت عنها مجموعة 22 ، ثم مجموعة الست التي أعلنت تشكيل جبهة التحرير الوطني و التي كان محمد بوضياف صاحب البطاقة رقم 1 فيها … مجموعة الست التي ضمت كذلك ديدوش مراد ( الشمال الشرقي ) ، مصطفى بن بو العيد ( أوراس ) ، كريم بلقاسم ( منطقة القبائل ) ، لعربي بن مهيدي ( غرب البلاد ) و رابح بطاط ( وسط البلاد ) …. أما بوضياف فكان له دور التنسيق و العمل الدبلوماسي

بعد اندلاع الثورة يوم 1 نوفمبر التحق سي طيب الوطني ( الإسم الثوري لمحمد بوضياف ) بقيادة جبهة التحرير في المهجر ، خلال مؤتمر الصومام الذي انعقد يوم 20 أوت 1956 عين بوضياف عضوا في مجلس الثورة ، يوم 22 أكتوبر 1956 قامت السلطات الفرنسية باختطاف الطائرة الملكية المغربية ، التي كان على متنها قادة جبهة التحرير الخمس : بن بلة ، بوضياف ، آيت أحمد ، خيضر و لشرف ، التي كانت متوجهة من المغرب إلى تونس ، و قام الفرنسيون بسجن القادة التاريخيين الخمس …. من السجن عين بوضياف كرئيس لفدرالية فرنسا ، ثم وزيرا للدولة في الحكومة المؤقتة و نائب رئيس لها سنة 1961 ، يوم 18 مارس 1962 أطلق سراح محمد بوضياف بموجب اتفاقيات إيفيان …. ليبدأ البطل نضالا آخر أكثر مرارة ….

بعد الإستقلال أصبح بوضياف من أشد معارضي بن بلة ، الذي انقلب على الحكومة الشرعية بمساعدة جيش الحدود الذي استولى على الحكم بقوة السلاح ، في نهاية 1962 أسس بوضياف أول حزب معارض في الجزائر : حزب الثورة الإشتراكية ( PRS ) الذي عارض توجهات الحكم الدكتاتوري …. يوم 23 جوان 1963 اعتقل محمد بوضياف قرب جسر حيدرة ، و وضع في سجن تسابيت في قلب الصحراء ( ولاية أدرار حاليا ) أين كان رفيقه في السجن المجاهد محند أكلي بن يونس ، منسق فدرالية فرنسا للأفالان و الأخ الأكبر لعمارة بن يونس …… دخل محمد بوضياف في إضراب عن الطعام أدى إلى تحويله إلى سجن سعيدة ، أين كان رفيقه في السجن المجاهد صالح بو بنيدر ، رفيقه في PRS و القائد السابق للولاية الثانية التاريخية ….

بعد سعيدة نقل بوضياف لسجن سيدي بلعباس أين اقترحوا عليه المنفى في سويسرا لكنه رفض و واصل تنديده لنضام بن بلة ، حكم على بوضياف بالإعدام لكنه استطاع الخروج من السجن و الهجرة إلى المغرب أين واصل معارضته للنظام الحاكم ، أسس بوضياف جريدة ” الجريدة ” لنقل أفكاره و اقتراحاته و تحليلاته ، التي دونها في كتابه الشهير ” أين تذهب الجزائر ” ….. بعد موت الرئيس بومدين رحمه الله سنة 1978 قام بوضياف بحل حزبه ، و تفرغ لعمله التجاري بمدينة القنيطرة في المغرب أين كان يدير مصنعا للآجر ….. ليختفي بوضياف سياسيا حتى بداية 1992 …..

يوم 11 جانفي 1992 استقال الرئيس الراحل شادلي بن جديد رحمه الله تعالى تحت ضغط الجيش ، بعد فوز الفيس الساحق في الدور الأول من الإنتخابات التشريعية ، شادلي الذي قام بحل المجلس الشعبي الوطني قبل استقالته ترك فراغا دستوريا ، فقام المجلس الأعلى للأمن بإلغاء نتائج الانتخابات و تم استدعاء محمد بوضياف من المنفى ، ليصبح رئيسا للمجلس الأعلى للدولة ( الذي أعلن عن تأسيسه يوم 14 جانفي ) و يساعد البلد لتجاوز المرحلة الإنتقالية و الأزمة الدستورية و السياسية و الأمنية الخانقة التي دخلت فيها ، بوضياف الذي استجاب لنداء الوطن دون أدنى تردد نظرا للظروف الصعبة التي كان يمر بها …. لكنه لم يكن يدري أنه سيدفع ثمن ذلك بروحه الطاهرة … رحمه الله تعالى ……

جاء بوضياف للجزائر يوم 16 جانفي 1992 ، و استقبل بالحليب و التمر في صور لا تزال محفورة في ذاكرتنا … آنذاك كان بوضياف يمثل البطل المناضل ، الرجل الحكيم ، الشريف ، النزيه و القوي الذي سينقذ البلد …. معلنا صراحة مد يده لكل من يعمل من أجل الجزائر ……. لكن يدا بوضياف كانتا مقيدتين من طرف أصحاب القرار في البلد …… يوم 9 فيفري أمضى بوضياف مرسوما رئاسيا يعلن حالة الطوارئ ، في 4 مارس حلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ رسميا … و في 29 مارس تم حل جميع المجالس المحلية البلدية و الولائية …. في خطوات وصفها العديد آنذاك بغير الدستورية …

بوضياف لم يتأخر كثيرا حتى يبرز محاور عمله : تضييق الخناق على الفيس ورفضه للعودة للمسار الإنتخابي … و خاصة محاربة الفساد الذي تفشى في كل دوائر الدولة الجزائرية … بدأت فترة بوضياف بحملات اعتقالات واسعة في صفوف مناضلي و إطارات الفيس … الذين نقلوا إلى محتشدات في السجون و أعماق الصحراء دون أي محاكمة … الأمر الذي أفرح الإستئصاليين و اللائكيين من مؤيدي وقف المسار الإنتخابي ، لكنه أحزن فئات واسعة من الشعب التي صوتت لصالح الفيس منذ أشهر و كانت تنتظر من بوضياف أن ينصف خيارها …. ثم أعلن بوضياف الحرب على الفساد بإطلاق حملة من التحريات و اللجان لمتابعة الفاسدين و كشفهم بنية محاسبتهم و تطهير البلاد منهم …. الأمر الذي جعل بوضياف يكسب أعداءا في المعسكرين : الإسلامي المتطرف ، و معسكر الفاسدين ….

يوم الجمعة 29 جوان 1992 ، و بينما كان بوضياف يلقي خطابا على المباشر من مدينة عنابة …. كانت آخر كلماته قوية جدا ….. و كأنها كلمات مودّع سبحان الله …” العبد البشر عندو حياة قصيرة ، و غدوا رانا رايحين أوكل للممات ، لويكتا هو الإنسان كارش ( متمسك ) في هاذ المسؤولية و هاذ المسؤوليات … و لهذا الإنسان مقتدر باسم الله ، و على هذا كذلك نجعلوا يعني تكون مقاييس و تكون كذا في ما يخص المسؤوليات و هي الكفاءة ، و هي النزاهة ، و هي الإنسان يجي باش يعمل … الإجتهاد في العمل … حنا نشوفو هاذ الدول لي فاتتنا باش فاتتنا ، فاتتنا بالعلم … و الدين تاع الإسلام …… ” …..

فكانت كلمة إسلام آخر كلمة قالها … سمعنا خلالها إطلاق رصاصات الغدر في ظهره رحمه الله تعالى …. استشهد البطل محمد بوضياف على المباشر و أمام مرأى الجميع ….. وسط تماطل في نقله للمستشفى ، و غموض حول مرتكب الجريمة … رسميا القاتل كان أحد المكلفين بتأمين الرئيس ، لمبارك بومعرافي ، الذي ألقى قنبلة يدوية ثم اغتال الرئيس و ألقى سلاحه و هرب …. ليواصل المصور تصوير الرئيس الشهيد و هو ميت أمام ذهول من كان بجانبه …..

المحاكمة الرسمية أدانت بومعرافي بالسجن المؤبد ، و قال المختصون أن جريمته منعزلة ، و سببها اضطراب شخصيته نفسيا ، و ميوله الإسلامية …. تصريحات لم يصدقها أغلب الجزائريين ، و أولهم إبن الرئيس الراحل السيد ناصر بوضياف ، الذي اتهم الجنرالات باغتيال والده … و الذي يطالب منذ سنيم طويلة بإعادة المحاكمة و كشف كل ملابسات القضية …. في ذلك اليوم 29 جوان 1992 … لم يقتل المجرم الرئيس بوضياف فقط … بل قتل الأمل الذي كان يسكن قلوب الجزائريين … أمل في جزائر ديمقراطية حرة ، يسودها العدل و المساواة … أمل في الخروج من حكم النظام البائس الذي عبث بالبلد منذ الاستقلال … أمل في وقف مسلسل العنف الذي بدأ آنذاك … و الذي سيحصد 300.000 جزائري رحمهم الله تعالى …….

 

حرر من طرف معمر أمين بوسنة

 

شاهد أيضا أشهر صور محمد بوضياف

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً