صلاة العيد في موسكو

صلاة العيد في موسكو

صور مذهلة لإحدى أكبر صلوات العيد في العالم …

صلاة العيد في الجامع الكبير لمدينة موسكو ، عاصمة روسيا …. التي تجمع سنويا أكثر من 250.000 مصلي ، تمتلئ بهم كل الشوارع المتواجدة حول المسجد ، في مشهد رائع مذهل و مهيب ، يثير دهشة و إعجاب العالم بأسره كل سنة …… صور تشعرنا بالفخر و العزة للإنتماء إلى أمة الإسلام الحنيف …. الذي يجمعنا مع أكثر من مليار و نصف مليون من المسلمين في العالم …..

الكثير منا لا يعلم أن روسيا ، أكبر بلدان العالم مساحة ( أكثر من 17 مليون كم مربع ) ، عضو برابطة العالم الإسلامي منذ 1994 … و أن روسيا يعيش بها اليوم أكثر من 20 مليون مسلم روسي يشكلون حوالي 15% من السكان ، و هم في تزايد مستمر لدرجة أن الإحصائيات تتوقع أن يصبح الإسلام الديانة الأولى في روسيا حوالي سنة 2050 …… روسيا التي بها 23 جمهورية فدرالية ، 9 منها مسلمة ، تتوزع على منطقتين أساسيتين : شمال القوقاز و جبال أورال ، أي تتبعان قارة أوربا جغرافيا ….. أكبر شعوب روسيا بعد الروس هم التتر ، و هم مسلمون سنيون ( أكثر من 8 ملايين ) ، إلى جانب شعوب شمال القوقاز : الداغستانيون ، الشيشان ، الإنغوش ، الشركس ، القراتشاي ، البلقار ، الأديغة … إلخ ، و كلها شعوب إسلامية …. كان عدد أبنائها أكثر من 10 ملايين نسمة قبل الغزو الروسي للمنطقة بداية القرن 19 م ، و تعرضت للأسف للإبادة العرقية و القتل و التهجير ، حتى تراجع عددها ليصبح اليوم حوالي 5 ملايين فقط …..

 

دخل الإسلام روسيا سنة 643 م ( 22 هجري ) في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لما فتح المسلمون بقيادة الصحابيين عبد الرحمن بن ربيعة و سراقة بن عمرو رضي الله عنهما ، مدينة داربنت التاريخية ( يعود تأسيسها إلى 5000 سنة …. ) التي كانت من أكبر مدن الفرس ، و تعتبر الممر الوحيد للعبور من فارس ( إيران ) إلى أوربا عبر جبال القوقاز ، و بمحاذاة بحر قزوين …. دربنت التي تقع اليوم 2200 كم جنوب موسكو ، في جمهورية داغستان الإسلامية ، سماها المسلمون : باب الأبواب ، لمناعتها و موقعها الفريد في العالم ، و هي ترجمة حرفية للإسم الأصلي الفارسي ، داربنت = دار ( الباب ) + بنت ( القفل ) …… و منها انتقل الإسلام إلى القوقاز و قلب روسيا و سهوب آسيا الوسطى …… في سنة 921 م أرسل الخليفة العباسي سفيره إبن فضلان إلى روسيا ، و قام هذا الأخير بكتابة أول وصف لروسيا في التاريخ ، و ساهم في نشر الإسلام آنذاك ، لكن الإسلام لم ينتشر بقوة في روسيا إلى سنة 1262 م لما أسلم ملك المغول بيركي خان ( بركة خان عند المسلمين ) حفيد جنكيز خان ، الذي أسس دولة القبيلة الذهبية ، التي حكمت كل الأراضي الممتدة من الصين حتى أوربا الشرقية ، حيث أسلم معه كل جنوده من المغول و التتر …. آنذاك كان الإسلام أول ديانة في روسيا ، و دين الملوك و الأمراء ……

مع مرور القرون انتشر الإسلام في روسيا حتى سنة 1552 ، السنة التي سقطت فيها قازان ، عاصمة جمهورية تاتارستان حاليا ( في وسط روسيا بجبال أورال ، التي تفصل تقليديا أوربا عن آسيا ) ، عاصمة الإسلام في روسيا ، سقطت بيد ملك الروس إيفان المرعب ( الذي ينحدر من أصول تترية لكنه كان مسيحي الديانة ) ، الذي قتل و ذبح ملايين المسلمين ….. في القرن 18 م انتشر الإسلام بقوة بين شعوب القوقاز التي كانت تدين بالوثنية او كان اسلامها سطحيا ، خاصة بيد مشايخ الصوفية من القادرية و النقشبندية ، لكن الحروب بين العثمانيين و الروس و توسع روسيا جنوبا أدى إلى وقوع مجازر مروعة استشهد فيها الملايين من القوقازيين ، الذين ضربوا أروع الأمثلة في الدفاع عن أرضهم خاصة عبر مقاومة الإمام شامل ، الذي نجى من الموت بسبب تدخل الأمير عبد القادر الجزائري الذي توسط لدى قيصر روسيا بعدما أنقذ الأمير مسيحيي دمشق من الإبادة ، و طلب منه الإفراج عن الإمام شامل الداغستاني و السماح له بالهجرة إلى مكة …..

عانى المسلمون كثيرا خلال فترة الإتحاد السوفياتي التي أصبحت فيها الشيوعية عقيدة للدولة ، و تبنت العلمانية و الإلحاد الذي يحارب كل الأديان و المعتقدات ( علمانية يريد بعض المنسلخين نشرها في بلدنا الغالي اليوم ….. للأسف ) ، تعرض المسلمون للإبادة و التطهير العرقي و التهجير خاصة في الحرب العالمية الثانية … و دمرت و أحرقت مساجدهم ، قبل الثورة الشيوعية سنة 1917 ، كان عدد مساجد روسيا أكثر من 25.000 مسجد ( أكبر عدد المساجد في العالم ) ، لم يبقى منها سنة 1930 إلا 500 مسجدا ….. و كاد الإسلام أن يندثر تماما من روسيا ، لولا لطف الله تعالى ، و نضال المسلمين الروس الذين كانوا يمارسون دينهم خفية و يعلمون أولادهم القرآن في ملاجئ أسفل الأرض و في الكهوف و الغابات ….

بعد سقوط الإتحاد السوفياتي استعاد المسلمون حريتهم تدريجيا ، و أعادوا بناء مساجدهم و تنظيم أنفسهم ، بل و أعلنت جمهورية تاتارستان استقلالها ، هي أغنى منطقة في روسيا ، مما أجبر حكومة موسكو على التفاوض ، أما في شمال القوقاز فكان الوضع أكثر مأساوية ، و كلنا يتذكر حروب الشيشان و بطولات أبنائها في سبيل الحفاظ على دينهم و هويتهم و عقيدتهم …. جهاد للأسف فسد لما التحق به الجهاديون و التكفيريون الذين وفدوا على القوقاز من الدول العربية ، حاملين فكرا متطرفا متناقضا مع أعراف و إسلام القوقازيين ، و شرعوا في القيام بأعمال إرهابية دموية مثل تفجيرات موسكو و احتجاز الرهائن في بيسلان ، فوقعت مآسي أخرى اتخذها الروس ذريعة لغزو الشيشان عسكريا ….. حروب أدت إلى استشهاد ربع الشعب الشيشاني البطل …….. و تهجير المئات من الآلاف من المدنيين ……

ورغم كل ذلك ، لا يزال الإسلام ينتشر بقوة شديدة في روسيا ، التي تبنت الدين الإسلامي كجزء لا يتجزأ من تاريخ روسيا كما قال الرئيس فلاديمير بوتين ، الذي رغم كونه مسيحيا ، إلا أنه يملك أصولا تترية ، جعلته يقترب أكثر من الشعوب الإسلامية ، بل و يحاول استغلال ثقل الإسلام الروسي لتحقيق أهداف استراتيجية وسط الدول الإسلامية ، و تقرب من تركيا و إيران ، و حتى التشجيع على العودة إلى إسلام روسي تقليدي صوفي ، للحد من تغلغل الأفكار التكفيرية و المتطرفة …. و أفضل مثال على ذلك هو الرئيس الشيشاني الحالي ، رمضان قاديروف ، الذي يعتبر الذراع الأيمن لفلاديمير بوتين ……

قصة مسلمي روسيا …. التي تشبه كثيرا قصة أجدادنا الأمازيغ ، الذين جعلوا من الإسلام الحنيف عنوانا لهويتهم ، و رمزا لنضالهم و جهادهم في وجه الغزاة و المعتدين ….. إسلام أجمعت كل قوى الشر على محاربته ، باستعمال الخونة في الداخل و الخارج …. لكنه باقي و يتمدد ، و ينتشر ، و يزداد توهجا يوما بعد يوم ….. يقول الله تعالى في سورة التوبة : ” يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) ” …………

تحية إلى كل مسلمي روسيا ، و كل مسلمي العالم …. عيدنا مبارك ، و كل عام و كل الأمة الإسلامية بألف خير ….. تقبل الله منا و منكم

 

 

 

حرر من طرف معمر أمين بوسنة

اترك تعليقاً