شخصيات

طالب أحمد الإبراهيمي

أحمد طالب الإبراهيمي

ولد أحمد طالب الإبراهيمي يوم 5 جانفي 1932 بقرية أولاد براهم ، إحدى قبائل عرش ريغة الأمازيغي الزناتي ، التي تتواجد اليوم أقصى جنوب شرق ولاية برج بو عريريج ( على حدود سطيف ) ، والده هو الشيخ الإمام البشير الإبراهيمي ، رفيق درب الإمام عبد الحميد بن باديس و من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين ، إنتقل الشيخ البشير إلى تلمسان سنة 1933 في إطار نشاطه الدعوي ، حاملا معه عائلته ، لذلك نشأ أحمد طالب في تلمسان ، تتلمذ في المدرسة الفرنسية رغم معارضة والده الذي أقنعه الشيخ بن باديس على ضرورة تدريس ابنائه بالمدارس الإستعمارية ، حتى تزداد معارفهم و ينفتح فكرهم ، و يحصلوا على التكوين اللازم لكي ينفعوا بلدهم و شعبهم

في سنة 1939 اعتقل الفرنسيون الشيخ البشير الإبراهيمي و نفوه إلى منطقة آفلو أين وضع في الإقامة الجبرية و تعرض للتعذيب و للضغط بسبب رفضه تجنيد الجزائريين في الحرب العالمية الثانية ، مرت عائلة الإبراهيمي في تلمسان بظروف صعبة جدا لم تمنع أحمد طالب بأن يتفوق في دراسته ، تحصل على شهادة الباكالوريا و التحق بكلية الطب بالعاصمة سنة 1949 ، و هناك بدأ مشواره السياسي ، فانخرط في جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا ، و أسس مجلة ” الشاب المسلم ” لسان جمعية العلماء بالفرنسية ، و التي أعانه فيها العديد من مثقفي بلدنا ، مثل مالك بنبي ، أحمد توفيق المدني ، عمار أوزڨان ، مصطفى لشرف …. إلخ

في سنة 1954 و بعد مشوار جامعي ممتاز ، نجح أحمد طالب في مسابقة الإلتحاق بالمستشفيات الفرنسية أين واصل دراسته ، في باريس التحق أحمد طالب بالاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين الذي أصبح رئيسا له ، ثم بعد ذلك بفدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني ، التي لعب دورا بارزا فيها رفقة محمد الصديق بن يحيى رحمه الله ، حيث أوكلت إليهما مهام تنظيمية و تنسيقية بين النخبة الجامعية و القادة السياسيين ، في سنة 1957 ألقت السلطات الفرنسية القبض على أحمد طالب و ادخلته السجن اين تعرض لأبشع أنواع التعذيب ، في السجن إلتقى أحمد طالب بقادة ثورتنا التاريخيين الخمس : آيت أحمد ، أحمد بن بلة ، محمد بوضياف ، محمد خيضر ومصطفى الأشرف …. و بعد خروجه من السجن توجه إلى تونس ، الرباط ، نيويورك ثم القاهرة أين كانت تقيم عائلته في المنفى منذ 1952 ، بعد الإستقلال عاد إلى أرض الوطن أين لعب دورا هاما في اللجنة الثلاثية ، التي كانت تلعب دور الوسيط بين قادة الولايات التاريخية الذين تناحروا فيما بينهم بسبب دخول جيش الحدود و أخذه السلطة بالقوة على ظهر الدبابات ….

لما تولى أحمد بن بلة رئاسة الجمهورية ، قام بسجن احمد طالب الإبراهيمي لثماني شهور بسبب مواقف والده المعارضة للإستبداد ، بعد خروجه من السجن واصل أحمد طالب دراسته و أصبح طبيبا مختصا في أمراض الدم ، و تقلد عدة وزارات هامة مثل التربية و التعليم و الخارجية ، اين أظهر كل كفاءاته و قدراته التنظيمية ، و إخلاصه و حبه للوطن ….. لعلمكم الإبراهيمي كان أول وزير يطالب بالإهتمام بالأمازيغية ، و حث الرئيس بومدين على ذلك …. و له عدة مقالات صحفية و حوارات يؤكد فيها على ضرورة الإهتمام بتمازيغت …

في سنة 1989 غادر أحمد طالب الحكومة بسبب خلافات حادة مع الرئيس الشادلي بن جديد ، و حاول تأسيس حزب الوفاء الذي لم تقبل به السلطات إلى يومنا هذا و لم تعتمده ، بعد وقف المسار الإنتخابي حاول أحمد طالب لعب دور الوسيط بين السلطة و ممثلي الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، خاصة مع عبد القادر حشاني ، الرجل المثقف المخلص الذي كان بإمكانه إنقاذ البلاد بحكمته و انفتاحه ، قبل 4 أيام من إعلان وقف المسار الإنتخابي ، قدم حشاني مقترحا حكيما للخروج من الأزمة ، كلف احمد طالب بإرساله للرئاسة ، يتضمن ما يلي :

– اكتفاء الفيس ب 188 مقعدا في البرلمان

– تعهد مناظلي الفيس بالتصويت لصالح قوائم الأفالان في الدور الثاني ، حتى تتوازن الحصص

– إكتفاء الفيس بثلاث حقائب وزارية

– إقتراح حسين آيت احمد كرئيس حكومة

– تعهد كل منتخبي الفيس باحترام الدستور و مدنية الدولة

مقترحات كانت تهدف آنذاك ، لخلق توازن سياسي ، و وحدة حول مستقبل الجزائر ….. لكن أعداء وطننا من الإسلاميين المتطرفين ، و العلمانيين المنسلخين ، و ضباط الجيش المتعصبين المأجورين ….. أفشلوا هذه المبادرة التوافقية للأسف …. و جميعنا يعرف النتيجة الكارثية و المأساوية ……. أحمد طالب الإبراهيمي الذي حاول بكل قواه إخراج البلد من العشرية السوداء ، باقتراح الحلول السياسية و دفع الجميع إلى الحوار …. حتى قرر تقديم ترشحه لانتخابات الرئاسة التي كنا نأمل ان تكون نهاية للكابوس ، و التي كان من المتوقع أن يفوز فيها الإبراهيمي بشهادة الجميع …. فكانت الكارثة : زورت الإنتخابات ، و أصبح بوتفليقة رئيسا لمدة 20 سنة …… ربما خرجنا من كابوس الفتنة الأمنية ، بالفعل ، لكن دخلنا كابوس الإستبداد و الظلم و النهب و المحسوبية و الرداءة و الدفع بالبلد نحو المجهول …….

أحمد طالب الإبراهيمي الذي اعتزل الحياة السياسية ، هو كذلك كاتب و مفكر ، و رجل إعلام ، يتكلم العربية و الفرنسية بإتقان شديد ، كانت له عدة مؤلفات مثل : رسائل من السجن : من تصفية الاستعمار على الثورة الثقافية ….. الأزمة الجزائرية: المعضلة والحل …… أحلام ومحن (1932-1965): مذكرات أحمد طالب الإبراهيمي … إلخ ، رجل يحاول الكثير إقناعه لتولي قيادة البلاد خلال الفترة الإنتقالية ….. رغم ما يقوله البعض أنه ضعيف الشخصية و يسهل توجيهه ، شخصية توافقية يجمع كل الجزائريين على كفاءتها و نزاهتها ، رغم الاختلاف حول أفكار الرجل و توجهاته الإيديولوجية ، نأمل أن يهيّأ الله لبلدنا الرجال المخلصين النزهاء ، الوطنيين و الأكفاء ، لإخراج بلدنا من الأزمة ، و العبور بنا إلى بر الأمان …. لأن الحقيقة يجب أن تقال : أزمتنا اليوم أزمة رجال …… في زمن افتقدنا فيه عمالقة السياسة في الجزائر مثل : حسين آيت أحمد ، عبد الحميد مهري ، سليمان عميرات ، عبد القادر حشاني … رحمهم الله ، او حتى علي يحيى عبد النور ( شفاه الله ) …. رجال لهم توجهات مختلفة ، لكن يوحدهم حب الجزائر ، و توحدهم الكفاءة و النزاهة ، و يجمههم الإخلاص للوطن و التمسك بثوابت شعبنا ….

 

حرر من طرف الباحث معمر أمين

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى