عباس لغرور, أب المعارك الشرسة

عباس لغرور, أب المعارك الشرسة

البطل الأسطوري الذي قاد أكثر من 100 عملية عسكرية ضد الجيش الفرنسي …

مولده

ولد البطل يوم 23 جوان 1926 بدوار أنسيغة ، على بعد كيلومترات قليلة من مقر ولاية خنشلة حاليا ، وسط أسرة شاوية بسيطة تنتمي لعرش العمامرة التاريخي ،

دراسته

تعلم في المدرسة القرآنية أين حفز القرآن الكريم، دخل المدرسة الفرنسية واستطاع الحصول على الشهادة الابتدائية، انضم الشهيد مبكرا إلى حزب الشعب الجزائري وكان ذلك عام 1946 على إثر مجازر 8 ماي التي أعطت دفعا قويا للحركة الوطنية ،

نشاطه

كان ينشط رفقة المناضل إبراهيم حشاني ، المسؤول الجهوي في أوراس ، والد القيادي السابق في الفيس عبد القادر حشاني رحمه الله تعالى ، في 1948 عمل عباس لغرور كطباخ لدى مسؤول فرنسي ، الذي شك في أمره عندما رآه مع حشاني في أحد الأسواق ، فقام بطرده من العمل

قام عباس الغرور بفتح دكان للخضر والفواكه في السوق العامة لخنشلة ، لتمويه نشاطه الحقيقي ، أصبح هذا الدكان مكانا يلتقي فيه مناضلو الحزب لعقد اجتماعاتهم السرية بقيادة شيهاني بشير مسؤول حركة انتصار الحريات الديمقراطية على مستوى المنطقة ،

دوره في الحركة الوطنية

عين عباس لغرور أمين قسمة حركة انتصار الحريات الديمقراطية بخنشلة ، في سنة 1951 قام بتنظيم مظاهرة احتجاجية في المدينة احتجاجا على الوضع المأساوي الذي كان يعاني منه الشعب الجزائري ، و قام لغرور بتقديم لائحة مطالب للسلطات الفرنسية التي قامت بإلقاء القبض على عباس لغرور وبعض رفقاءه ،

بقي البطل في السجن 3 أيام ، تعرّض خلالها إلى تعذيب وحشي مما أدى به إلى الإصابة بالتهاب رئوي حاد استوجب نقله إلى مستشفى باتنة للعلاج وقد تكفل حزب حركة الانتصار بجميع نفقات علاجه

الإعداد السري للثورة

بعد أن تماثل للشفاء عاد البطل إلى خنشلة ليواصل نشاطه السري داخل الحزب ، رغم الرقابة الشديدة التي فرضت عليه ، رفقة الأبطال ، قادة أوراس التاريخيين : مصطفى بن بولعيد ، عاجل عجول وشيهاني بشير رحمهم الله ، ساهم عباس لغرور بالتحضير للثورة في منطقة الأوراس ،

قبل التحاقه بالجبل ودع زوجته و ابنتيه حسينة و طارق ، طلب السماح من والده و خيّر زوجته بين البقاء أو الذهاب لبيت أهلها …..

عشية نوفمبر

أشرف البطل على الأفواج التي أوكلت لها مهمة شن الهجومات ليلة أول نوفمبر 1954 ، و هو الذي قاد هجوم خنشلة الذي قتل فيه أول ضابط في الجيش الفرنسي …. تقول الرواية أن الضابط جرح و لم يمت في الحين ، فضمد عباس لغرور جراحه و ترك أمامه ورقة كتب فيها :

لم أرد أن أقتله ….. لكن الضابط توفي متأثرا بجراحه ، الحادثة التي أظهرت نبل عباس لغرور و إنسانيته ، جعلت الجيش الفرنسي يحترمه كثيرا حتى أن بيجار وصفه بالخصم الذي يتشرف بالقتال ضده !!!!

بعد اعتقال مصطفى بن بولعيد زعيم الأوراس يوم 11 جانفي 1955 ، عين شيهاني بشير على رأس المجاهدين في أوراس ، بمساعدة البطلين عاجل عجول و عباس لغرور ….. تميز عباس لغرور بقوة إيمانه و شجاعته و صلابته ، التي جعلته مضرب المثل في أوراس … و نظمت حرائر أوراس في ذلك عدة أشعار تخلد البطل الأسطوري الذي قاد أكثر من 100 عملية ضد المستعمر الفرنسي في السنتين الأوليين للثورة أبرزها :

معركة تافسور (ششار) 1955

معركة عصفور بقرية الزاوية (ششار ) مارس 1956

معركة لبعل بكيمل جانفي 1956

معركة وادي الجديدة جويلية 1956

معركة كنتيس مراح البارود أكتوبر 1956

معركة البياضة استمرت 24 ساعة متواصلة

لكن أبرز ملاحم الشهيد هي معركة الجرف الكبرى في سبتمبر 1955 ، أم معارك ثورة التحرير ، التي دامت أسبوعا كاملا بجبال آه لموش الشامخة …. و التي واجه فيها 500 مجاهد من أبطال جيش التحرير أكثر من 40.000 جندي فرنسي مدعومين بالمدفعية و الطائرات …

المعركة التي قادها الأبطال :

عباس لغرور ، لزهر شريط ، بشير شيهاني ، عاجل عجول ، لوردي ڨتال ، جيلاني سوفي ، صالح الخنشلي ، عون عمر … إلخ ، هي تدرس اليوم في كبرى الأكاديميات العسكرية ….

قتل فيها أكثر من 400 جندي فرنسي ، مقابل 70 شهيدا في صفوف جيش التحرير و 100 من المدنيين العزل ….. رحمهم الله تعالى …. ملحمة كبيرة غيرت منحى حرب التحرير إذ تعتبر أول منعرجاتها الحاسمة … لكنها كانت للأسف بداية للإنقسام داخل قيادة الثورة في المنطقة ……

من أبرز أخطاءه

في 20 أكتوبر 1955 جمع شيهاني بشير قادة الثورة في اجتماع تقييمي بعد معركة الجرف ، في منطقة الڨلعة ، لكنه للأسف تعرض لانقلاب من طرف رفقاء السلاح الذين اتهموه بعدة تهم من بينها الشذوذ حسب بعض الروايات ، و نفذوا عليه حكم الإعدام بعد محاكمة صورية حضرها عاجل عجول و عباس لغرور و آخرون ، يوم 23 أكتوبر 1955 …. فكانت أول مأساة في ثورتنا المباركة …..

في نفس الفترة حاصرت جماعة من المجاهدين الذين ينتمون لعرش آث لموش ( النمامشة ) عباس لغرور ، بسبب خلافات عروشية كونه كان من العمامرة ، و حاولوا اغتياله في منطقة القلعة دائما … لكنه نجا بأعجوبة بسبب تدخل عاجل عجول الذي أنقذه في آخر لحظة …. يقول عاجل عجول أنه لما ذهب لفك الحصار على أخيه قال للذين كانوا يحاصرونه :

لماذا تحاصرون رجلا بطلا ؟؟ و سرد عليهم آيات و أحاديث و ذكرهم بوصايا بن بو العيد و بخصائل لغرور ….. فأجابه أحدهم بالشاوية : كل ما قلته صحيح لكن ” أخنفوف أولمّوش ” يعني : النيف اللموشي ….

يقصد القوانين العرفية العروشية التي كانت تحكم أعراش أوراس الكبير آنذاك …… عباس لغرور الذي رفض في تلك الفترة قيادة الأوراس و قدم أخاه عاجل عجول كقائد عسكري للمنطقة في ظل الخلاف السائد حينها

فرار بن بولعيد من سجن الكدية

صراعات عروشية تواصلت لما عاد مصطفى بن بو العيد للمنطقة بعدما فر من سجن الكدية بقسنطينة في نوفمبر 1955 ، حيث أراد البعض أن يعود بن بولعيد لمنصبه كقائد للمنطقة ، بينما أراد آخرون مثل عاجل عجول تطبيق القانون عليه ، القانون الذي فرضه بن بو العيد بنفسه ، و الذي يجبر فيه كل مجاهد يدخل إلى السجن الفرنسي ثم يفر أو يخرج منه أن يبقى 6 أشهر تحت المراقبة حتى تتأكد القيادة من صدقه و نزاهته ….

آنذاك كان الصراع في أوراس على أشده بين عاجل عجول القائد الفعلي للأوراس و عمر بن بو العيد أخ مصطفى بن بولعيد على خلفيات عروشية …. لما عاد مصطفى بن بولعيد غضب كثيرا لاغتيال شيهاني بشير و لام عاجل عجول و عباس لغرور مما وسع الهوة بينهم ……

صراعات لم تثني عزيمة المجاهدين الذين واصلوا المعارك ضد العدو … لكن البطل مصطفى استشهد في مارس 1956 بسبب مذياع ملغم حسب الرواية الرسمية ….. الأمر الذي زاد من حدة النزاع بين قادة أوراس الكبير …..

عند انعقاد مؤتمر الصومام يوم 20 أوت 1956 ، لم يحضر ممثلوا الولاية الأولى : جبال أوراس و النمامشة ،بسبب استشهاد بن بولعيد ، و عدم اعتراف الجميع بقيادة عمر بن بولعيد أو عاجل عجول او عباس لغرور ،

فقد إتفق الأبطال الستة المفجرين للثورة, أن يلتقوا مجددا من أجل تقييم الثورة, فحضر كريم بلقاسم ممثلا عن الولاية الثالثة, وبما أن ديدوش إستشهد فقد حضر نائبه زيغود يوسف ممثلا عن الولاية الثانية, سجن بيطاط فحضر أوعمران نائبا له وممثلا للولاية الرابعة, حضر بن مهيدي ممثلا للولاية الخامسة, أما الولاية الأولى فقد تعقدت فيها الأمور كثيرا, فقد إستشهد بن بولعيد وإعدم كذلك نائبه شيهاني بشير.

…. مما زاد من شدة الصراع بين قادة الأوراس ، قرر آنذاك مجلس التنسيق و التنفيذ المنبثق عن مؤتمر الصومام تنظيم الأمور في أوراس ، فأرسلت القيادة عميروش إلى أوراس ، عميروش الذي دخل أوراس تحت حماية رجال عمر بن بو العيد اجتمع بعاجل عجول وأمره بالتوجه نحو الولاية الثالثة للإتصال بكريم بلقاسم, وكتب له تسريح دخول الولاية الثالثة, فوافق عجول في البداية.

لاكن بعد مرور أيام وجد عميروش أن عجول لم يغادر الأوراس بعد فحاول رفقة لحاج لخضر توقيفه فحدث أشتباك, لكن هذا الأخير تمكن من الفرار متأثرا بجراحه ، ثم قرر النزول من الجبل و تسليم نفسه للجيش الفرنسي …. و بقي عاجل عجول في منأى عن السياسة حتى توفي رحمه الله سنة 1992.

أما عباس لغرور و من معه من إطارات و طلبة أوراس فقرروا التوجه نحو تونس في أكتوبر 1956 لعقد إجتماع الصلح, لاكن للأسف, ذلك الإجتماع كرّس من العداوة والمشاكل بدل الصلح والحل، فقد توج بمؤامرة في فيلا لاكانيا, حيث قتل وأصيب بعض قيادات النمامشة قبل أنطلاق الإجتماع, مما أضطر محساس إلى تسليم القادة المجتمعين للأمن التونسي الذي قبض عليهم وزجهم في السجن بما فيهم الجرحى بعد أن تعافوا, أما عباس لغرور فتكفيرا لأخطائه, خاض بعض الهجومات ضد الجيش الفرنسي على الأراضي التونسية, وهذا خرق للإتفاقيات المبرمة بين حيش التحرير الوطني والسلطات التونسية,

بعد كل هذا كان لزاما إلقاء القبض على عباس لغرور وتقديمه للمحاكمة, لكن للأسف طبقت عليه أقسى أنواع العقوبات وهي الإعدام, وبهذا ذهب الكثير من الضحايا الذي كان من الممكن سجنهم أو عزلهم بدل إغتيالهم.

هذه هي سيرة البطل عباس لغرور … البطل الذي وهب حياته فداءا للوطن …. و اغتيل في سبيل الوطن …. عباس لغرور الذي همش كثيرا بعد الاستقلال و حاول العديد طمس سيرته … لكن و الحمد لله تم رد العتبار إليه و لو جزئيا ، و اليوم تحمل جامعة خنشلة اسمه ….

قصة عباس لغرور التي توضح جزءا من مآسي الثورة … هي اليوم درس لنا ، لكي نحافظ على وحدتنا ، لكي نبني معا وطننا متجاوزين خلافاتنا ، لكي نضع مصلحة الوطن الغالي فوق كل اعتبار …. لكي نقف وقفة رجل واحد من أجل الجزائر التي مات من أجلها ملايين الأبطال من طينة عباس لغرور رحمه الله تعالى

هذه أشهر صور الشهيد البطل عباس لغرور

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

This Post Has 2 Comments

  1. عباس لم يقتل شيحاني لأغراض مصلحية إنما بمحاكمة عادلة احشموا على رواحكم نعرفوه مليييح ا خاض اكثرمن ١٠٠معركة نحن في خنشلة لانقبل كلاما فيه والناس عندنا مجمعون على ذالك الا من شذ من خصومه خاصة في قضية النمامشة.فوزي الشابي الزاوية

    1. لا أحد ينكر المعارك الشرسة التي خاضها عباس رحمه الله, وعنوان المقال أصلا هو “أب المعارك الشرسة”
      لكن شيحاني قتل ظلما, وبمقتله فتح باب الإغتيالات, وبل وأصبح القتل هو الوسيلة الوحيدة التي تحسم به الخلافات, حتى عباس نفسه راح ضحية هذه العقلية المتجذرة
      – مصطفى بن بولعيد رحمه الله كان يقول بعدما سمع بمقتل شيحاني: ستستقل الجزائر ولن نجد خمسة مثله !! وتأسف كثيرا لمقتله
      ولو قتل بمحاكمة عادلة كما تشير, لقال لهم أحسنتم صنعا, لقد نال جزائه
      – والحقيقة أن شيحاني لوكانت له عصبية داخل الأوراس, ما أتهموه أصلا
      الثورة عمل بشري وليس ملائكي, ويبقى أولئك الشباب الذين تحدو ثاني أكبر قوة في أوربا والمدعومة من طرف الحلف الأطلسي , ابطالا على المستوى العالمي رغم أخطائهم الواجب التعلم منها

اترك تعليقاً

Close Menu