عيد النصر, 19 مارس 1962

عيد النصر, 19 مارس 1962

عيد النّصر …. 19 مارس 1962

اليوم الذي قرأ فيه البطل بن يوسف بن خدة رحمه الله تعالى ، رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة آنذاك ، بيان وقف إطلاق النار ، الذي توّج اتفاقيات إيفيان …. بعد 7 سنوات من ثورة مباركة ، و 132 سنة من المقاومة البطولية …. استشهد فيها حوالي 10 ملايين جزائري فداءا لأرض الأجداد ….

بعد 132 سنة من أبشع استعمار عرفه تاريخ العالم …. أذعنت فرنسا و رضخت لإرادة الشعب الجزائري ، و اعترفت بحقه في تقرير مصيره ، و استقلاله …. إستقلال أصبح رسميا بعد انتخاب رمزي ، يوم 5 جويلية 1962 …..

العديد من شباب اليوم يقدحون في اتفاقيات إيفيان ، يقولون أن بنودها كانت في مصلحة فرنسا ، أنها تكرّس استعمارا جديدا يضمن مصالح فرنسا ، أن المفاوضين الجزائريين لم يحققوا تطلعات شعبهم الحقيقية ….. أفكار خاطئة تماما ، و مجحفة في حق أبطال شعبنا … أولا لأن المفاوضات كانت صعبة جدا ، طويلة وشاقة …. كانت الإجتماعات أحيانا تدوم لأكثر من 14 ساعة في اليوم …. ثانيا ، المفاوضون الفرنسيون كانوا من كبار دبلوماسيي فرنسا ، رجال كانوا يتمتعون بالكفاءة و التكوين العلمي ، مدعومين بجيش قوي ، و جهاز مخابرات قويّ ، و مدعومين بدول الحلف الأطلسي …..

دور أبطال الثورة في تحقيق هذا النصر

أما وفد المفاوضين الجزائريين فكانوا كلهم من رجال جبهة التحرير الوطني … شباب لا يملك أي شهادات في الإدارة و الديبلوماسية و السياسة الدولية ، لكنهم كانوا أبطالا ، مفعمين بحب الجزائر ، يمتازون بالذكاء و الحكمة و بعد النظر …. كانوا عمالقة بأتم معنى الكلمة …… رئيس المفاوضين ، البطل كريم بلقاسم رحمه الله ، كان عمره 40 سنة …. الرجل الرمز الذي كان ضمن مجموعة الست التي فجرّت الثورة …. الرجل الرمز الذي طالما شكّل كابوسا للجيش الفرنسي في جبال جرجرة الشامخة …. كان معه بطل آخر ، رمز من رموز بلدنا … محمد الصديق بن يحيى … رحمه الله ، كان عمره 30 سنة فقط … محامي شاب ينحدر من جبال جيجل الغالية …. ضحّى بكلّ شيء في سبيل أرض أجداده …. البطلان اللذان كتبا تاريخ بلدنا …. قبل أن تغتالهما يد الغدر بعد سنين عديدة من استقلال بلدنا ….. رحمهما الله تعالى …

كريم بلقاسم

كريم الذي عارض جيش الحدود منذ الإستقلال ، و انضم لمقاومة منطقة القبائل ، كريم الذي حكمت عليه عدالة الجزائر المستقلة بالإعدام …. الجزائر التي كرس حياته لخدمتها …. اضطر إلى اللجوء إلى المغرب ثم أوربا لإنقاذ عائلته … اغتيل في غرفة فندقه بألمانيا سنة 1970 ، و دفن بها غريبا …. حتى سنة 1984 أين نقلت رفاته الطاهرة إلى مقبرة العالية ….

محمد الصديق بن يحيا

أما بن يحيى فتقلد عدة وزارات بعد الإستقلال ، لكنه استشهد سنة 1982 بعد تفجير الطائرة التي كانت تقله ، أثناء قيامه بمهمة دبلوماسية لتهدئة الوضع بين العراق و إيران …. الطائرة التي فجرها صاروخ عراقي ، أطلقه جيش صدام حسين آنذاك …..

سعد دحلب

أبطال كان بينهم كذلك : سعد دحلب 44 سنة، أكبرهم سنّا آنذاك ، إبن تيارت ، الذي تحمل جامعة البليدة اليوم إسمه ، و الذي أصبح بعد الإستقلال سفيرا في المغرب ، ثم مديرا لمصنع شاحنات …….

امحمّد يزيد

 إبن البليدة ، 39 سنة آنذاك ، المجاهد البطل الذي عرف السجن و التعذيب ، و الذي كان مع البطل حسين آيت أحمد ممثلا للجزائر في مؤتمر باندونغ العالمي سنة 1955 …. امحمد يزيد الذي كان رفقة البطل بن يوسف بن خدة ، ساعد بن بلة على الهروب من سجن البليدة ….. ليهمّش تماما بعد الإستقلال … و يتوفى سنة 2003 رحمه الله تعالى ….

طيب بولحروف

 39 سنة آنذاك … إبن ڨالمة ، الذي كان ممثلا لجبهة التحرير الوطني في روما ، و الذي كان وراء ربط الإتصال الدبلوماسي مع الفرنسيين بسويسرا منذ 1960 ….. بعد الإستقلال تقلّد البطل عدة مناصب دبلوماسية ، كلها خارج البلاد ، خاصة في أمريكا اللاتينية ….. 

لخضر بن طوبال و مصطفى بن عودة

 رحمهما الله ، 39 و 37 سنة آنذاك ، إبنا ميلة و عنابة على التوالي ، الذان كانا ضمن جماعة 22 التي فجرت الثورة ، و كانا في الولاية الثانية التاريخية …. الأول عيّن بعد الإستقلال مسؤولا في قطاع الحديد و الصلب … و الثاني ملحقا عسكريا بسفارة القاهرة و مسؤولا عن التشريفات بعد ذلك …….

رضا مالك

كما كان معهم مدير جريدة المجاهد ، الوحيد الذي تقلد مناصب مهمة في أعلى هرم الدولة ، لكن في آخر سنين حياته …. ، رضا مالك إبن باتنة ، 31 سنة آنذاك … الذي تقلد مناصب دبلوماسية بعد الإستقلال ، قبل أن يلعب الدور الذي يعرفه الجميع في التسعينات : توقيف المسار الإنتخابي لما كان عضوا في المجلس الأعلى للدولة ، ثم وزيرا للخارجية و وزيرا أولا ، قبل أن يقيله الرئيس زروال بسبب مواقفه التي وصفها الشعب آنذاك بالإستئصالية ،

 صغير مصطفاي

، 36 سنة آنذاك ، إبن برج بوعريريج ، المثقّف خريج جامعة السوربون ، الذي أسس البنك المركزي الجزائري بعد الإستقلال ، و الذي كان وراء إصدار الدينار الجزائري ، الرجل الذي لا يعرفه الكثير ، لكنه قام بدور حاسم في رفع التحدي الإقتصادي ، بصياغة منظومة مالية قوية رغم كل الظروف الصعبة التي أعقبت الإستقلال ….

أبطال كتبوا التاريخ ، بانتزاعهم مكاسب حقيقية خلال المفاوضات ، بفضل ذكائهم و بعد نظرهم ، و حبهم الصادق لبلدهم … أبطال كانوا مجبرين على الموافقة على تنازلات تخدم مصالح فرنسا … للتعجيل بالإستقلال و إيقاف مجازر الفرنسيين في بلدنا ….. على أمل أن تتواصل المفاوضات بعد الإستقلال ، و أن يتولى جيل الحرية كسر ما تبقى من القيود ….. لكن للأسف ،

و كما رأينا في المقال ، تمّ التخلّص من أغلب هؤلاء الأبطال بطريقة أو بأخرى ، بالإبعاد او التهميش أو القتل ، أو التهديد أو الخداع ، بعد 1962 ، لما دخل جيش الحدود و استولى على الحكم في بلدنا بمنطق السلاح …. في خطوة خبيثة تمّت بتخطيط فرنسي ، و مباركة مصرية سوفياتية …. على حساب آمال و تطلعات شعبنا ….. و تبقى اتفاقيات إيفيان ، رغم كل ما يقال حولها … مرجعا حقيقيا في الدبلوماسية العالمية ، لأنها تمكنت من حلّ أزمة معقدة جدا … في وقت قياسي ….. فيما بقيت أزمات عالمية دون حلول دبلوماسية لسنوات و عقود ….. و هذا في حد ذاته أحد أعظم إنجازات ثورتنا المباركة ….

رحم الله أبطالنا و أسكنهم فسيح جناته ، و إنا على دربهم بإذن الله سائرون ، أبطال عملوا معا ، رغم اختلاف أفكارهم و انتماءاتهم و تكوينهم و المناطق التي ينحدرون منها ، وضعوا اليد في اليد من أجل جزائر الأجداد … ….

اليوم لما نقوم بنشر هذا التاريخ الذي طمس لأكثر من 50 سنة …. إنما نفعل ذلك وفاءا لهم ، وفاءا لأرضنا الغالية … و لنكمل مسيرتهم بطرد فرنسا بصفة نهائية و حقيقية من بلدنا …..

 

حرر من طرف الباحث أمين معمر

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

Close Menu