فرار العقيد مصطفى بن بولعيد من سجن الكدية

فرار العقيد مصطفى بن بولعيد من سجن الكدية

فرار قائد الولاية الأولى من السجن

10 نوفمبر 1955 هروب العقيد الشهيد مصطفى بن بولعيد من سجن الكدية بقسنطينة رفقة 10 من رفاقه المسجونين المحكوم عليهم بالاعدام ، وقد كانت زنزانة سجن  بن بولعيد هي نفسها التي سُجن فيها المجاهد الشيخ الحداد تسمى القاعة الثامنة ” المدرعة ” ، هرب أسد الأوراس بعدما أُلقي عليه القبض جنوب تونس 12 فيفري 1955 حيث كان متوجها الى ليبيا لاستلام شحنة من الأسلحة 
* قائمة الفارين 11 من السجن وفشل 19 آخرين :
مصطفى بن بولعيد
– الطاهر زبيري 
– العيفة عمر 
– طايبي عمر 
– مشري لخضر 
– حمادي كرومة
– زايدي سليمان
– عريفي حسين
– بوشمال احمد 
– حفطاري علي 
– بزيان محمد 
دامت مدة الحفر من 28 الى 30 يوما حسب المجاهد
” مصطفى طورش ” 
يقول العقيد الطاهر الزبيري في مذكراته – مذكرات آخر قادة الأوراس التاريخيين – :
( . . وجاء في مرة من المرات أحد حلاقي السجن لحلق ذقن سي مصطفى وأخبره انه رأى في المنام سجناء يتحدثون عن تنفيذ حكم الإعدام في حق بن بولعيد وعشرة من أصحابه وتشاء الصدف أن يتحقق هذا الحلم بشكل عكسي حيث نجا بن بولعيد وعشرة من رفاقه من سجن الكدية . . . )

 لقد فر العقيد مصطفى بن بولعيد انطلق الخبر يحيي جذوة نار الثورة بعد أن كادت تنطفئ.
وصل مصطفى إلى “فسديس” بعد قطعه مسافة مئة كلم عبر الحقول والجبال انطلاقا من قسنطينة (قصة هروبه معروفة و مفصلة في الكثير من المراجع وقد خصها الكاتب بملحق…) ومنها إلى “وستيلي” ها هو بين رجاله يحكي لهم قصة هروبه “بقيت في السجن مدة حمل ” يعلق ضاحكا أمام الحاج لخضر، عمر بن بولعيد، مصطفى رعايلي، أحمد نواورة، بن مسعود، عزوي، أحمد بن عبد الرزاق…
بعد الاستقبال بدأ مصطفى بن بولعيد يسأل عن “من نصب عمر بن بولعيد على رأس التنظيم، مخالفا أمره بإبقائه خارجا ؟ ثم من حكم عليه وغيره بالإعدام ؟ و أين عباس لغرور وبشير شيهاني ؟
جاءت الاجابات، ليدرك مصطفى أن العشائرية المقيتة التي طالما حذر منها تجذرت في غيابه وها هي الثورة بين توابة و نمامشة و سراحنة و شرفة و بوسليمانية تتمحور…و طبعا لم يفوت عمر و بن عيسى الفرصة ليؤكدوا لمصطفى بن بولعيد خيانة قادة “القلعة” للأوراس!!! اغتاظ مصطفى كثيرا حتى أنه عزل نفسه عن الجميع لأيام، كما استغرب وجود أحمد بن عبد الرزاق مسؤولا مع أخيه عمر بن بولعيد فقال له “…إذا كنتُ عزلت بن عبد الرزاق فلسبب جدي، فالرجل ذكي وقادر على أكلك نيئا و بدون ملح” (يأخذ مصطفى على سي الحواس وفاءه للمصاليين حتى أنه أمر بإعدامه لاحقا لولا تردد بيشة جودي مذكرا مصطفى بمحاسن الرجل على الثورة، فوضعه تحت الاختبار ووثق فيه بعد ذلك وعينه رفقة سي زيان عاشور على ناحية الصحراء والتي استشهد فيها رفقة عميروش رحمة الله عليهم جميعا ..) .
تتجمع في ذهن مصطفى أنصاف الحقائق يتساءل أين رفاقه: بشير شيحاني، عباس لغرور ، عاجل عجول ؟
لم يطق صبرا فشد الرحال إلى كيمل حيث عجول، وفي كل محطة يلتقي بالمجاهدين مشجعا ومبدئيا إعجابه بمدى انتشار الثورة أثناء فترة غيابه…
ومما قاله :”…ثمة خطر قاتل يتربص بنا إنه حب السلطة ،عليه اللعنة بالثلاث ! فإذا ظهر اختفت الثورة ! “
كان مصطفى يعلم أنه قيد العزلة (إجراء ثوري يطبق على الفارين من سجون الاستعمار كمرحلة اختبار ، وقد وضع عجول مصطفى تحت هذا الاجراء).
و عند اجتيازه جبل “أحمر خدو” بلغ بموت بشيرشيهاني !!!
فهم لما لم يأت رفيقه وأخفى تأثره مذكرا بخصال الشهيد سي مسعود والذي سقط ضحية الصراع على السلطة…
واصل طريقه إلى “تجين” حيث استقبله عاجل عجول، تعانقا الرجلان وتحدثا من الصباح إلى الغروب …
وفي الليل قابل بيشة جودي ليخبره هو الآخر روايته عن الأحداث وأن سي مسعود قتل مظلوما و أن دمه سيرتد على قاتليه !!!
نظم عاجل عجول تجمعا مهيبا على شرف مصطفى حضره القادة: سيدي حني، أحمد تيجاني، علي بن شايبة، عبد الوهاب عثماني، الوردي قتال،…
و تمت إعادة مصطفى بن بولعيد إلى منصبه قائدا لأوراس-النمامشة (لم يحضر عباس لغرور قيل أنه كان قد جرح في اشتباك قنطيس)…
في منتصف حانفي 1956غادر مصطفى كيمل وبالقرب من “إيفري لبلح” لحقته دورية من المجاهدين أرسلها عباس لغرور بهدايا (زوج بغال مثقلين بالذخائر وفراش مطاطي قابل للنفخ ورسالة يشرح فيها أنه مجروح و سيلتحق به قريبا ) شعر مصطفى بالاطمئنان…
وعلى جبل أحمر خدو خاض مصطفى معركته الأخيرة مع قوات العدو التي كانت تتعقبه ودامت المعركة يومين كاملين، ورغم الحصار نجى مصطفى ورفاقه مخترقين طوق العدو

( تفاصيل المعركة كنت نشرتها في قراءتي لكتاب سابق).

قضى مصطفى شهر فيفري والأسبوع الأول من مارس 1956 في إعداد اجتماع وصفه بالمصيري سيعقد في “نارة”، وقبله عقد اجتماعين أحدهما بالجبل الأزرق ميزه انضمام سي زيان بجيشه للثورة وهو مقاوم من أولاد جلال كان مصاليا ….والثاني بكيمل وميزه أيضا طلب مصطفى من أحمد نواورة دراسة إمكانية عقد مؤتمر لما بين النواحي في سوق أهراس (سيعقد في الصومام بعد ذلك )…لاحظ مصطفى غياب عباس لغرور للمرة الثانية !!!( لن يلتقي الرجلان فالموت سيخطف مصطفى بن بولعيد)
و في “تافرنت” بالجبل الأزرق جاء علي بعزي مسرورا إلى مصطفى ليخبره أن الفرنسيين أسقطوا بالخطأ جهاز إرسال واستقبال جديد بعيدا عن مركز تابع لهم “مركز ورقة”، فقال له خبئه ولا تخبر عنه أحد سنجربه في “نارة ” .
في 21 مارس 1956، نارة استقبلت مخابئها وفود المجاهدين القادمين من مختلف المناطق و يشرف مصطفى بنفسه على الاستقبال مرحبا بهم…
وفي الليل عاد إلى مخبئه و كان معه 12 مسؤولا من بينهم: مصطفى بوستة، علي بن شايبة،علي بعزي، العمراني (كاتبه)، مسعود بن عكشة،إضافة إلى الرقيب محفوظ الفار لتوه….
طلب الجهاز فأخرجه مجاهدان من كيس مليء بالرسائل ففككه علي بعزي ،كان مفرغا إلا من لوحين صفراوين موصولين بخيوط كما يتوفر على هوائي و سماعة … طلب أيضا من الرقيب محفوظ فحصه وأخبره أنه يشتغل ببطاريات كالتي في المصابيح اليدوية …
خرج مصطفى فجأة لاستقبال الحاج لخضر مع مجاهدي باتنة و أخبره حكاية الراديو فحذره (حسب شهادته للكاتب) من أن الأمر قد يكون مكيدة ،لكن مصطفى أكد له أن كل شيء على ما يرام !!!
عاد إلى مخبئه و شغل الجهاز فحدث انفجار شديد أزال المخبأ من الوجود و أحدث مكانه ثقبا هائلا …
استشهد مصطفى بن بولعيد وعلي بعزي وعبد الحميد العمراني و مسعود بن عكشة و لرقيب محفوظ …رحم الله الشهداء.
عمت الفوضى المكان و تدخل القادة آمرين الوفود بالمغادرة في هدوء وبقي خبر استشهاد مصطفى سرا لشهور…

رحم الله أب الثورة و جازاه عن هذا الوطن خير الجزاء فقد كان زارعا للأمل و جامعا للكلمة.

ملخص من مغربلو الرمال لمحمد العربي مداسي .

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

Close Menu