لحسين أيت أحمد, المستشرف

لحسين أيت أحمد, المستشرف

البطل حسين آيت أحمد رحمه الله تعالى

من أبرز رموز ثورتنا المباركة ، ولد البطل يوم 20 أوت 1926 ببلدية آيت يحيى ، حوالي 50 كم جنوب شرق عاصمة الولاية تيزي وزو ، بقلب جبال جرجرة الشامخة ، وسط عائلة محافظة شريفة من المرابطين ، تنحدر من الشيخ سيدي علي بن محمد دفين تاولفين ( الشارف ) بولاية الجلفة، عبر حفيده سيدي علي بوفارس ، جد البطل هو الشيخ سي محند أو الحسين ، شيخ الزاوية الرحمانية بالمنطقة ،

نشأته 

بدأ البطل دراسته بزاوية المنطقة و عمره 4 سنوات ، حفظ القرآن الكريم و هو يواصل دراسته بالمدرسة الإبتدائية ثم الثانوية أين انتقل إلى تيزي وزو ثم العاصمة ، التحق حسين آيت أحمد بحزب الشعب الجزائري ( PPA ) و عمره 15 سنة فقط ، حيث كان أصغر أعضاء اللجنة المركزية ، في سنة 1947 اقترح البطل تأسيس المنظمة الخاصة ( OS ) للتحضير للعمل العسكري ، لذلك يعتبر الكثير من المؤرخين أن حسين آيت أحمد هو الأب الحقيقي للثورة الجزائرية !!

دوره في المنظمة الخاصة

بعد أشهر من تأسيس المنظمة الخاصة ، أصيب رئيسها البطل محمد بلوزداد رحمه الله بمرض السلّ ، فعوضه حسين آيت أحمد على رأسها ، قام البطل بالتحضير للثورة لمدة سنتين ، بإنشاء لجان محلية سرية في كل مناطق الوطن ، و تجنيد العناصر التي تتميز بالكفاءة ، كما نظم الهجوم على بنك وهران سنة 1949 ، حيث تمكن أبطالنا من الحصول على مبالغ مالية ضخمة استعملت لشراء الأسلحة و للتحضير للثورة.

إكتشاف الفرنسيين للمنظمة الخاصة

لكن المنظمة الخاصة اكتشفت سنة 1950 ، يقال أن سبب اكتشافها من طرف الفرنسيين هو الأزمة البربرية ، التي عصفت بحزب الشعب الجزائري ( حركة انتصار الحريات الديمقراطية فيما بعد ) بين المركزيين ، و جماعة من الشباب التي لم تكن توافق الزعيم مصالي الحاج رحمه الله على أفكاره و تصوراته السياسية ….

دوره في إبراز القضية الجزائرية دوليا

اضطر البطل حسين آيت أحمد إلى الخروج من الجزائر لأنه كان مطاردا من طرف السلطات الفرنسية ، فلجأ إلى القاهرة في ماي 1952 ، أين عين على رأس بعثة حزب الشعب الجزائري ، أكد البطل على ضرورة العمل الديبلوماسي للتعريف بالقضية الجزائرية دوليا ، حيث قام بجولة عالمية قادته إلى عدة دول ، في سنة 1955 كان البطل على رأس البعثة التي مثلت الجزائر بمؤتمر باندونغ ( أندونيسيا ) الشهير ، حيث تقرر فيه حق شعوب شمال إفريقيا في تقرير مصيرها …. في سنة 1956 أسس مكتب جبهة التحرير الوطني في نيويورك ، و شارك في اجتماع منظمة الأمم المتحدة مما أدى إلى انسحاب البعثة الفرنسية ، فكانت أول هزيمة دبلوماسية لفرنسا …..

القبض عليه في حادثة الطائر الشهيرة

في أكتوبر 1956 ألقت السلطات الفرنسية القبض على البطل حسين آيت أحمد في حادث اختطاف الطائرة الشهير ، رفقة الأبطال محمد بوضياف ، أحمد بن بلة ، محمد خيضر و مصطفى لشرف ، من السجن و عن طريق مراسلات سرية ، قام حسين آيت أحمد بحث رفقائه على ضرورة تشكيل حكومة جزائرية مؤقتة لتوحيد الصف بعد الخلافات التي كادت أن تعصف بالثورة بعد مؤتمر الصومام ،

 

الإستقلال المسروق وإستمرار المعاناة

في سنة 1962 و مع الإستقلال أفرج عن البطل ، الذي استقال من منصبه الحكومي ، و دخل في صراع مفتوح مع جيش الحدود الذي اغتصب السلطة آنذاك ، حسين آيت أحمد كان وراء اختيار اللغة العربية كلغة رسمية لبلدنا ، و إطلاق مشروع التعريب لمحاربة المسخ الثقافي الذي سعى إليه المستعمر ، حسين آيت أحمد الذي كان وراء المظاهرات التي خرج فيها الشعب الجزائري لحقن الدماء و إيقاف الحرب الأهلية التي كادت أن تعصف ببلدنا نهاية 1962 و بداية سنة 1963 …. حاملين شعار : 7 سنين بركات !!

معارضته لجيش الحدود

رغم كل محاولاته لتوحيد الصفوف ، رأى حسين آيت أحمد أن جيش الحدود استبد بالحكم و انحرف عن نهج ميثاق أول نوفمبر وروح الثورة ، فاستقال من مجلس النواب رفقة الرئيس فرحات عباس و أسس في سبتمبر 1963 أول حزب جزائري معارض : جبهة القوى الإشتراكية ( FFS ) ،

تعرض الحزب إلى حملة مضايقات شديدة من طرف الدولة الجزائرية ، مما اضطر البطل إلى حمل السلاح رفقة المجاهد محند ولحاج ، و تأسيس مقاومة عسكرية بمنطقة القبائل ، مقاومة انضم إليها العديد من مجاهدي الولاية الرابعة أيضا ، لكن العقلاء من الطرفين تدخلوا لحقن الدماء و تجنب حرب أهلية كارثية ، اعتقل حسين آيت أحمد في أكتوبر 1964 و دخل في مفاوضات صعبة مع صديق الأمس … الرئيس أحمد بن بلة ،

المعانات مع الإنقلاب الثاني

في 16 جوان 1965 توصل الطرفان ( FLN و FFS ) إلى اتفاق شامل لتصحيح المسار و توحيد الصف ، لكن في 19 جوان 1965 ، ثلاث أيام فقط بعد الإتفاق ، قام قائد أركان الجيش الوطني الشعبي ، الرئيس الراحل هواري بومدين ، بانقلاب عسكري سمّي آنذاك ” التصحيح الثوري ” ، أصبح بموجبه بومدين رئيسا ، و زج ببن بلة في السجن إلى جانب آيت أحمد ……

لجوءه إلى سويسرا

يوم 1 ماي 1966 استطاع البطل حسين آيت أحمد الفرار من سجن الحراش ، و توجه نحو سويسرا أين بدأ العمل النضالي من أجل ترقية حقوق الإنسان و توحيد كل دول شمال إفريقيا ،

مواصلة التألق والنضال

واصل البطل دراسته ، تحصل على دكتوراة في الحقوق سنة 1975، و درّس في عدة جامعات عالمية منها جامعة بوسطن أين تتلمذ على يديه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الذي كان شديد التأثر بآيت أحمد ، في سنة 1980 قام البطل بدور بارز خلال أحداث الربيع الأمازيغي ، حيث قام بتوجيه الشباب و تأطيرهم و حثهم على العمل في إطار سلمي و اجتناب العنف ،

في ديسمبر 1985 ألقى البطل نداءا مع الرئيس بن بلة إلى الشعب الجزائري من أجل المطالبة بالتعددية و الديمقراطية ، نداء تلاه البطل آيت أحمد بكل حزن ، لأنه لم يستطع الحضور إلى جنازة والدته رحمها الله ……

إرهاصات التعددية

في سنة 1987 اغتيل المحامي علي مسيلي ، الذراع الأيمن لحسين آيت أحمد بباريس ، اغتيال صنع الحدث بفرنسا آنذاك ، لأن القاتل ، و بعد توقيفه من طرف السلطات الفرنسية ، تم تسليمه للجزائر …. أحداث أتت بعدها مباشرة أحداث أكتوبر 1988 ، التي أقر بعدها الرئيس الشادلي بن جديد رحمه الله التعددية ، و تم اعتماد حزب جبهة القوى الإشتراكية …. مما عجّل بعودة البطل آيت أحمد إلى الجزائر بعد 23 سنة من النفي …. البطل الذي استقبله الآلاف من الجزائريين الذين كانوا يرون فيه الأمل بمستقبل أفضل ….

المعانات مع الإنقلاب الثالث

شارك البطل في الإنتخابات التشريعية التي احتل فيها حزبه المركز الثالث ، لكن توقيف المسار الإنتخابي سنة 1991 أدخل البلاد في أزمة سياسية خانقة ، توقيف عارضه البطل و نادى الجميع باحترام نتائج الإنتخابات و إرادة الشعب رغم فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ ،

في سنة 1992 و بعد مجيء الرئيس الراحل محمد بوضياف رحمه الله ، اقترح آيت أحمد تنظيم حوار وطني للخروج من الأزمة ، أسبوعا فقط قبل اغتيال الرئيس بوضياف شهر جوان 1962 …..

إغتيال بشع دفع بآيت أحمد إلى مغادرة البلاد مكرها ، واصل البطل نضاله في الخارج و كان من منظمي اجتماع سانت إيجيديو في روما سنة 1995 ، إجتماع شاركت فيه كل أطراف النزاع السياسي في الجزائر ، كان من نتائجه ما يسمى ب ” العقد الوطني ” الذي اقترح عدة نقاط و حلول لوقف الفتنة و إيجاد حل سياسي للأزمة الجزائرية ، نقاط استلهم منها الرئيس البطل ليامين زروال ، الذي بادر إلى المفاوضات مع الجماعات المسلحة ، مفاوضات صعبة و شاقة تواصلت حتى نهاية التسعينات ….

العودة للوطن كمترشح

في سنة 1999 عاد آيت أحمد إلى الجزائر مترشحا للإنتخابات الرئاسية ، و رغم قيامه بحملة انتخابية كبيرة في مختلف مناطق الجزائر إلا أنه انسحب في آخر لحظة من سباق الرئاسيات ، مع كل المترشحين الآخرين …. منددين بالتزوير المبرمج لنتائج الإنتخابات لفائدة المترشح الوحيد الذي أبقى على ترشحه ، عبد العزيز بوتفليقة ،

العودة للمهجر والتركيز على التوثيق والتأريخ

بعد الإنتخابات عاد البطل آيت أحمد إلى أوربا أين واصل نضاله السياسي و الفكري ، و إنتاجه العلمي حيث نقّح مذكراته و شارك في العديد من الندوات و المؤتمرات ، و سجلت معه أكبر الصحف و القنوات الإعلامية العالمية ،

وفاته رحمه الله

و رغم تدهور صحته إثر تقدمه في السن و إصابته بعدة نوبات قلبية ، إلا أنه واصل النضال حتى أقعده المرض ، توفي البطل يوم 23 ديسمبر 2015 عن عمر يناهز 89 سنة ، و نقل جثمانه ليدفن في مقبرة أجداده ، في مسقط رأسه ، حسب وصيته التي كتبها كما نرى في الصور ، باللغات العربية ، الأمازيغية و الفرنسية ، وصية طلب منها أن يدفن إلى جوار والده و والدته ، التي توفيت سنة 1983 دون أن يحضر جنازتها …… ،

جنازته

دفن البطل في جانفي 2016 ، في جنازة حضرها قرابة المليون مواطن جاؤوا من كل ربوع الوطن …….

بطل حقيقي كتب تاريخ بلدنا بأحرف من ذهب ، بطل وطني حقيقي أحب بلده حتى النخاع ، بطل وهب أجمل سنين حياته فداءا لوطنه ، بطل سياسي ، رجل ثقافة ، رجل علم ، ملهم و منظر ، حكيم و شهم …. رمز من رموز بلدنا …. جنّب لبلدنا العديد من الأزمات و المحن بفضل رزانته و حنكته …….. بطل ناضل من أجل أمازيغية بلدنا ، و من أجل عروبتها و إسلامها …… حسين آيت أحمد ، آخر عضو من مجموعة التسعة ، الذين فجروا ثورة التحرير المباركة …… رحمه الله تعالى و أسكنه فسيح جناته

 

حرر من طرف الباحث معمر أمين

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً