معركة الجرف الخالدة

معركة الجرف الخالدة

معركة الجرف الملقبة بأم المعارك

معركة الجرف من معجزات الثورة الجزائرية المباركة حيث واجه 400 مجاهد من أبطال جيش التحرير, ترسانة عسكرية فرنسية بأكثر من 40 ألف جندي مدعم بعشرات الطائرات ومئات الدبابات والمجنزرات.

في هذا المقال نعرض سير معركة الجرف تحت ضوء كتابات تابليت عمر, بالتحديد من كتابه “الأوفياء يذكرونك يا عباس: عباس لغرور:حياة وكفاح,

حيث أورد ما إبتداء من الصفحة 125 إلى 131 ما يلي:

بدأت المعركة على الساعة التاسعة صباحا من يوم 22/9/1955, واستمرت ليلا ونهارا, ولا ينقص المجاهدين إلا الكرطوش الذي بدأ يتناقص, ومع ذلك استمرت المعركة.

اليوم الأول:

بدأت على ثلاث جبهات: الجبهة الشمالية, والجبهة الجنوبية, والجبهة الشرقية, بقصف مواقع المجاهدين الدفاعية بسلاح المدفعية, ثم أعقبه تقدم سلاح المشاة من اللفيف الأجنبي, تتقدمهم الدبابات لكن عدم معرفة العدو بتحصينات جبل الجرف قد تسبب في هزيمته المبكرة, منذ اليوم الأول للمعركة التي رمى فيها بكل ثقله.
لقد وجد نفسه بين نار المجاهدين المتحصنين بين مغارات وكهوف جبل الجرف, وبين وحدات أخرى من المجاهدين طوقوه من الخلف, فلم تغن عنه قواته شيئا

لقد أبيدت المفرزة الأولى التي كانت تحاول التقدم, فلم ينج منها سوى 30 جنديا, تركهم المجاهدون عن قصد, بأمر من عباس لغرور, حين قال لجنوده: “أرتكوهم يعودون إلى القوات الإستعمارية بالخبر”

في هذه اللّحضات المثيرة, وصلت قافلة من المجاهدين مزودة بالأسلحة والذخيرة والتموين, وكان وصولها مؤشرا كبيرا من مؤشرات النصر على القوات المعادية.

في نهاية اليوم حاول المجاهدون أن يجدو لأنفسهم مخرجا, ولكن تطويق العدو عليهم منعهم, ولم يترك لهم منفذا يخرجون منه, ولذلك تهيأوا للجولة الثانية.

اليوم الثاني:

بدأت المعركة صباح اليوم الثاني 23/09/1955 وسط أسلوب جديد ابتكره العدو يتمثل في قصف مدفعي بعيد المدى لمدة, ثم تلاه قصف قصير المدى بالهاون لحماية وحدات العدو التي تحاول أن تتقدم إلى مواقع المجاهدين, إلى مقر القيادة الخاصة بصفة خاصة.

وعندما اقترب العدو من مواقع المجاهدين فإنهم فتحوا عليهم النار من رشاشاتهم وأسلحتهم الفردية, وتراجع العدو قليلا, من جراء كثافة النيران, ثم إستمرت المعركة, وكانت خسائر العدو فادحة في الأرواح والعتاد, وراجع إلى الخلف, تاركا ميدان المعركة لقنبلة الطائرات ودك الدبابات, واستمرت المعركة إلى الليل.

إغتنم المجاهدون ظلام الليل, فحاولوا أن يجدوا لأنفسهم مخرجا, ولكن انتشار العدو حولهم, حال دون ذلك.

اليوم الثالث:

لقد فشل العدو في اليومين الأولين من المعركة, في القضاء على المجاهدين ما كان يتوقع, بسبب حسن إدارتهم للمعركة, وصمودهم وثباتهم, الأمر الذي جعله يرمي فاليوم الثالث بكل قواته منذ بزوغ فجره, مدعومة ببطاريات المدافع بعيدة المدى والهاون.

استمرت المعركة ضارية بين الطرفين حتى قرب منتصف النهار, ثم تراجع العدو, تاركا ميدان المعركة لتدخل الطيران, الذي كان شكل أسراب, يتألف كل واحد منها من 12 طائرة, شمل الجهة الجنوبية من جبل الجرف, ووادي هلال, وجبل العنق, وادي مسحالة, ولكن حصانة الجرف كانت أقوى من القنبلة ومن القصف.

وقد سقطت منها ثلاث طائرات في اليوم الثالث, وتراجع العدو وولى الأدبار, وقد فسح هذا التراجع المجال للمجاهدين كلي تقدموا إلى المواقع التي أخلاها العدو ليغنموا أسلحة وذخيرة.

قرار الإنسحاب

وعندما أظلم الليل قررت قيادة المعركة الانسحاب من الميدان, بسبب قرب نفاذ الذخيرة, ووصول نجدات إلى العدو تشد أزره, والتأثير الكبير الذي أحدثه سلاح الطيران.

وأخيرا تقرر أن يبقى شيهاني داخل المغارة, ومعه مجموعة من المجاهدين, بينما ينسحب الأخرون.

وما أن شرع المجاهدون في الإنسحاب حتى بدأت الأمطار تهطل عليهم بغزارة, وقد رأوا فيها كرامة من الله عز وجل, لقد كان لهطول الأمطار أثارها على العدو, إذ ساخت أقدام أفراده في الوحل, وابتلت أسحلتهم, وحالت الأمطار بين العدو وبين التصويب الدقيق لأسلحتهم. ولذلك إضطر العدو الى فك الحصار على المجاهدين مساء اليوم الثالث على لاساعة التاسعة.

اجتمعت القيادة بقادة الفصائل, وأصدرت أمرها بالإنسحاب, وقل ذلك تشكت دورية من 05 مجاهدين مهتمها: كشف الطريق أمام تقدم المجاهدين الذين اصطف كل واحد منهم وراء الآخر, فاكتشفت من قل العدو, فأعطت إشارتها إلى المتقدمين بالتوقف ودخلت في الحين في إشتباك عنيف مع العدو, الأمر الذي جعله يطلق أضوائه الكاشفة في السماء, لكي يتمكن من تصويب نيرانه تجاه المجاهدين تصويبا دقيقا.

ضغط المجاهدون على قوات العدو, تصدوا لأضوائه الكاشفة, واشتدت المعركة, وحمى وطيسها, ولم يمض وقت طويل حتى تم القضاء على أفراد العدو, الذين كانوا يواجهون المجاهدين في الجهة الجنوبية.

غنم المجاهدون في هذه المواجهة أسلحة قدرت ب60 بندقية مختلفة الأنواع منها رشاش من نوع 24*29 وأسلحة أخرى خفيفة.

تمكن المجاهدون من اختراق الطوق الأول, وعلى بعد 400 متر, صادفوا قافلة من البغال محملة بالذخيرة والعتاد الحربي, ومؤونة, يقودها عساكر وعملاء من الحركى, كانت متجهة إلى الطوق الأول لإمداده, فقضوا على الكثير من أفراده أثناء عملية الإختراق, وساقوا البغال بحمولتها, والبعض من العساكر, كما استولوا على الكثير من مواد التموين والعتاد الحربي والخيول والبغال, ساعدهم على رؤيتها تلك الأضواء الكاشفة التي كان العدو يطلقها.

لقد إعتقد المجاهدون أنهم بخروجهم من الطوق الأول قد اجتازوا الحصار, غير أنهم ما إن خرجوا من الطوق الأول حتى واجهوا طوقا آخر, لذلك سارعوا إلى قتل البغل والعساكر المقتادين, واشتبكوا مع العدو من جديد’ وكانت النتيجة أن غنموا مرة أخرى أسلحة حملوها على أكتافهم, ثم واصلوا تقدمهم.

وكانوا كلما خرجوا من طوق, وقعوا وجها لوجه أمام طوق أخر, على مدى 15 يوما, قضوها في الإنسحاب, ويعني ذلك أن العدو كان قد احتل كل المناطق الواقعة خارج جبل الجرف, وفي جنوب هذا الجبل التقى الكثير من المجاهدي, الذين تمكنوا من الانسحاب من المعركة بقوة, وانقسموا إلى أفواج من 20 مجاهدا يقودهم أدلة من أهل الجهة يعرفون مسالكها, وهناك أعلمهم الشعب أن الحصار لايزال مضروبا على شعبة مريم, ولذلك ترك هؤلاء مرضاهم وجرحاهم وسلاحهم الثقيل في إحدى المخابئ من الناحية الجنوبية في جبل الجرف, وانتهى انسحابهم الى جبل مسحالة والجديدة, وقد وصلوها بعد العديد من الإشتباكات التي خاضوها مع العدو المقيم في المراكز بصفة دائمة, وقد استغرقت تلك الاشتباكات 04 أيام.

انسحب عباس بغرور وعاجل عجول, كل منهم أخذ وجهته, والتقيا في وادي الجديدة, جنوب قنطيس, حيث أعادوا تجميع الجيش, واستبقوا معهم حوالي 40 مجاهد, وانطلقوا إلى القلعة, وهناك اشتبكوا مع العدو مرة أخرى, واتصل بهما مجاهو الجهة الغربية من عالي الناس, فمكثوا فيها يومين, ثم انتقلوا إلى العامرية في الكاف, وهناك التحق بهم بشير شيهاني, بعد حصار له في الغار لمدة أيام, نجا منها بأعجوبة, لقد تعرض إلى قنابل النابالم وهو في الغار, بعد أن كشفه العدو, نتيجة معلومات حصل عليها من أسرى مدنيين.

وكان لإستعمال ذلك النوع من السلاح المحرم دوليا (النابالم) انعكاساته حين سارع 61 نائبا في المجلس الوطني الجزائري إلى تقديم استقالتهم احتجاجا على الضرب بالسلاح المحرم دوليا.

نتائج المعركة:

ليس من السهل إحصاء الخسائر التي لحقت بالعدو, وسط تلك الظروف والصعوبات, ولذلك اختلفت الروايات, فالبعض يحصيها بكثير من التفاؤل والبعض الإخر يقلل منها…. وقد شملت خسائر العدو:

 اسقاط عدد من الطائرات واصابة بعضها, وقد بلغت جميعا 20 طائرة, واصابة وتدمير 40 دبابة ومجنزرة, وغنم 150 قطعة سلاح, والاستيلاء على الذخائر الحربية, بلغت حمولتها 20 بغلا, وقتل عدد كبير من العساكر يترواح بين 500 و700 عسكري, وغنم 04 أجهزة للإرسال, أما خسائر المجاهدين, والتي كانت كلها خلال الإنسحاب, فتختلف الروايات بشأنها أيضا رغم أن ذلك كان متاحا, سواء كان خلال الإنسحاب أو بعده, ويتراوح العدد المتحدث عنه بين 100 و 170 شهيدا, وجرح عدد آخر يتراوح عددهم بين 10 إلى 40 مجاهدا, واستشهاد عدد من المدنيين, وتدمير منازلهم, وترحيل الكثير من السكان المقيمين في المنطقة التي دارت فيها المعركة, والاستيلاء على حيواناتهم من جمال وبقر وغنم, ونفي البعض منهم إلى الجرف بالمسيلة.

واعتبرت المعركة إنتصارا عظيما مكن الجزائر من تدويل القضية الجزائرية في مؤتمر “باندونغ”، كما مكن من فك الحصار على جزء مهم من المنطقة الأولى أوراس النمامشة، كما زادت ثقة المجاهدين في الاستقلال ورفعت معنوياتهم. في حين كان يظن المتشائمين والجبناء أن الاستعمار شر لا بد منه، 

وقدمت معركة الجرف بنتائجها الحاسمة دفعا هائلا في مسار الثورة الجزائرية, فقد سر بها الشهيد العربي بن مهيدي وأثنى عليها وعلى صانعيها حينما خاطب المستعمر بقوله:

” يكفينا فخرا أننا لقّنا فرنسا درسا في البطولة في الجرف لن تنساه”،

كما ذكرها الجنرال “بوفو “قائد الفرقة الثانية للمشاة في تبريره لفشل جنوده في دخول قلعة الجرف المحصنة حين قال

” تجابه قواتنا أعنف عمليات هجومية تصدت لها عمليات التمشيط والتطهير، بحيث اعترضت قواته صحراء صلدة تمثلت في قلعة الجرف،وهو جبل قاحل محدب”،

أما الطيار كلوسترمان الملقب عسكريا بدوفال المجند بين 1955 و1957 فيقول:

“كل ممر عبارة عن خرسانة تأوي كل شيء، السلاح والذخائر والمغارات التي بها مهاجع الجنود وقاعات التمريض، وقطعان الماعز والأغنام، أما الماء فهو متوفر في سائر المواسم،إنها قلاع دائمة ومراكز اجتماع قادة الولايات.”

لاحقا سننشر أبرز الأبطال المشاركين في معركة الجرف الخالدة

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

Close Menu