معركة سطاوالي يوم النكبة الكبرى

معركة سطاوالي يوم النكبة الكبرى

الظروف المرافقة للمعركة

 كانت الظروف الدولية والإقليمية مناسبة لفرنسا للقيام بتلك المخاطرة،  فبعد أن كانت الجزائر قوة مرهوبة الجانب في البحر الأبيض المتوسط، وكانت كثير من الدول تدفع أتوات ومبالغ سنوية لحماية سفنها من قبل البحارة الجزائريين ضد القراصنة الذين يهاجمون السفن وينهبونها بمن فيها.

كان لهزيمة الأسطول الجزائري بشكل خاص والعثماني بشكل عام في معركة نافارين الأثر البالغ في تجرّأ فرنسا على تلك المخاطرة لإحتلال الجزائر، وما قصة المروحة إلا ذريعة لتغطي بها الدوافع الحقيقية للرغبة في العدوان والإجرام، فقد أتيحت الفرصة لتحقيق الحلم الطويل الذي طالما طمح إليه الفرنسيون بإحتلال الجزائر واستغلال ثرواتها وموقعها الإستراتيجي وتجعل من الجزائر بواية نحو دول الساحل وإفريقيا، وكذا إضعاف الخلافة العثمانية وتقليص نفوذها في شمال إفريقيا بالأساس حتى تخلو لفرنسا الساحة لفعل ما تشاء في إفريقيا الغربية، كما كانت الصراعات المبنية على العصبيات بين أعوان الداي حسين من أقوى المحفزات للفرنسيين ليسهل  عملية الاحتلال عليهم.

وقد أشرف الملك شارل العاشر على دعاية ضخمة لتحفيز الجيش الفرنسي، وروج للحملة على الجزائر أنها معركة شرف قد إنتهكته الجزائر !!، كما واستغل طبعا المشاعر الدينية الصليبية للإنتقام من بلاد المسلمين المتخلفة، فجهّز حملة قوامها 37 ألفا من الجنود و600 سفينة بين شراعية وبخارية، وانطلق الأسطول نحو سواحل الجزائر،
وصل الأسطول الفرنسي إلى سيدي فرج صباحا يوم 14 يونيو 1830، وقبل رسو الأسطول قامت السفن بإطلاق القذائق على مئذنة مسجد سيدي فرج فدمّرتها، فكانت رسالة واضحة للعدوان الفرنسي و عنوانا لصفحات الإجرام التي ستدونها. ونزل الجنرال بيرتوزان مع الفرقة الأولى للمشاة بميناء سيدي فرج.

إضطر الداي حسين لعقد إجتماع بوزراءه وقياداته وأشرك معهم شيوخ القبائل والعلماء لمناقشة الأوضاع, (والغريب كل ذلك التقاعس وعدم مواجهة الأسطول الفرنسي قبل النزول ولو على الشاطئ !!!) وأثناء الإجتماع ظهرت ميول الداي لفكرة الإستسلام وتسليم المدينة للفرنسيين، رغم أنه كان يستهين بالحملة الفرنسية قبل نزولها في سيدي فرج, وفجأة ولدت لديه قناعة تامة بأنه غير قادر على المقاومة !!!، ولكن عزم أعيان الجزائر على المقاومة حسم النقاش لصالح الحرب.

إستعدادات الجيش النظامي والمحاربين

لم تبادر القوات القوات الجزائرية بالزحف من مواقعها في معسكر سطاوالي نحو القوات الفرنسية إلا في يوم السبت 19 جوان 1830 صباحا باكرا.
وتميزت صبيحة ذاك اليوم  بضباب كثيف غطى المنطقة ومنع مدفعية الأسطول الفرنسي من التدخل, وطبعا كان الفرنسيون يتوقعون ذاك الهجوم فقد كان لها جواسيس ينسقون معها قبل نزولها على الشواطئ الجزائرية.

سارت المعركة  على مرحلتين:

المرحلة الاولى:

من يوم السبت 6 صباحا حتى 10 صباحا حيث شدد الجانب الجزائري الهجوم بكل قوة مما مكن الجزائريين من السيطرة على المواقع الأمامية من التحصينات الفرنسية وألحق بهم خسائر جعلتهم في موضع حرج وكان النصر قريبا من الجزائريين إلى حد أن قام إبراهيم الأغا بإرسال بشائر النصر إلى العاصمة.

المرحلة الثانية:

مباشرة بعد الساعة العاشرة حيث إضطر الجنرال دي برمون إلى تغيير إستراتيجيته حين إكتشف نقاط ضعف الخصم الجزائري وهي إفتقادها لقوات إحتياطية تساعدها في التغطية فأعطى الأوامر لفرقتي بروتوزفي ولوفيرد وهما متواجدتان في وسط الجبهة وعلى يمينها بالتحرك والقيام بهجوم مضاد فإنطلقت القوات الفرنسية على القوات الجزائرية وأختلطت الأمور على ابراهيم اّغا وإضطرب جيشه فانتشرت الفوضى وعم الإضطراب والرعب وسط القوات الجزائرية, ما سمح للفرنسيين بإختراق معسكر سطاوالي وبذلك حسمت المعركة لصالح الفرنسيين ويعزز من تثبيت أقدامهم على الميدان لمواصلة الزحف على العاصمة.

إستسلام الداي حسين.

وبكل سهولة قرر الداي حسين بعد مشاورات شكلية مع الأعيان، الإتصال بالفرنسيين للتفاوض من أجل تسليم العاصمة، فتوسط له القنصل البريطاني الذي رفضه الفرنسيون لاحقا، وأبلغوا الداي حسين من خلاله بضرورة تسليم المدينة بلا قيد ولا شرط.

وأرسل الجنرال دي بورمون إلى الداي نص معاهدة يفرض فيها شروطه المتمثلة أساسا في تسليم المدينة بدون أدنى مقاومة أو شروط مسبقة، وكان من بين تلك الشروط التي أرسلها الجنرال للداي:

  1. تسليم جميع القلاع في المدينة مع الميناء،

  2. تعهد القائد العام بأن يترك كامل الحرية والممتلكات الشخصية لباشا الجزائر مع السماح له بمغادرة الجزائر إلى المكان الذي يختاره،

  3. ويتعهد القائد العام بتقديم نفس الإمتيازات لكل الجنود الإنكشارية التي أعطاها للباشا، (من الخزينة الجزائرية طبعا !!)

  4. وبأن يظل العمل بالدين الإسلامي حرا، كما لن يلحق ضرر بحرية السكان ودياناتهم وممتلكاتهم.

وقّع الداي وثيقة الإستسلام ليلة الخامس من يجويلية 1830 بعد أن أغرته الوعود الفرنسية التي كانت ذرا للرماد للعيون ومحض كذب حتى تقضي على أي مقاومة مع الحفاظ على أرواح جنودها وميزانية جيشها، وكان بالفعل تسليم المدينة في صباح اليوم التالي. وفي الغد دخل الفرنسيون مدينة الجزائر ونصبوا الراية الفرنسية كما نهبوا ما أمكن من الخزينة الجزائرية والكثيرا من ممتلكات الداي وكبار التجار،
وكان بإمكان الداي نقل الكنوز والأموال المخزونة في قلعته إلى منطقة أكثر أمنا، لاكن لا عجب وهو أصلا سلم بلدا بأكمله ليحصل أيضا على كل تلك الأموال الطائلة والكنوز القيمة التي سيزداد بها العدو أكثر قوة.

وثيقة إستلام الداي حسين وتسليمه للعاصمة الجزائرية يوم 05 جويلية 1830

وفي يوم 10 جويلية, بعني بعد 05 أيام فقط من تسليم مدينة الجزائر رحل الداي عن الجزائر متوجها نحو نابولي بإيطاليا ثم إلى الاسكندرية بمصر، تارك البلاد والعباد لشر مستطير سيدوم لأكثر من قرن من الزمن.
توفي الداي بعد  4 سنوات من إنتقاله إلى مصر، تاركا خلفه شعبا مسلما بأكمله يتذوق أبشع مجازر شهدها التاريخ الحديث مغلفة بغلاف الحضارة والمدنية !!!!

.
 
والأكيد أن القارئ سيتسائل مباشرة, كيف تسقط عاصمة يحكمها جيش نظامي كانت في الوقت القريب سيدة الحوض المتوسط !!؟
 
في الحقيقة سقوط العاصمة ليس وليد هزيمة معركة سطاوالي, بل هي نتيجة حتمية لسلسة من النكسات على الصعيد الثقافي بالدرجة الأولى ثم الإقتصادي والأجتماعي, لاكن المسؤول المباشر عن سرعة السقوط في تلك المرحلة هو :
 
  • سلطة الداي حسين بالدرجة الأولى ومن أبرز أخطاءه,  إعدامه لقائد الجيش الجزائري المدعو الآغا يحيى بعد أن وصلت للداي معلومات مغلوطة بأن الآغا يريد الإنقلاب عليه ويحرض ضده، وعوّضه بصهره الآغا إبراهيم عديم الخبرة في الشأن العسكري و إدارة الحروب والجيش، وساهم في ذلك ولاته الخونة مثل الآغا يحيى وزير المالية الذي كان محط ثقة لدى الداي، بينما كان ذلك الوزير هو من يخطط للقضاء على حكم الداي ووصل به الأمر للتواصل مع الفرنسيين لمساعدتهم للقضاء عليه.
  • تواصل الكثير من البايات والأغاوات مع الفرنسيين والتنسيق معهم والإغترار بهم, وفي الأخير لم يجنوا من خياناتهم إلا العار والشنار, بل والنار والدمار !!, ويظهر ذلك في إخلافهم لوعدهم بتقديم الألاف من المحاربين, وفي الواقع لم بجمعوا ربع ما وعدوا به, كما يظهر في مسارعتهم لتقديم الولاء لفرنسا مباشرة بعد سقوط العاصمة !!
  • مساعدة اليهود للفرنسيين بالمال والمعلومات وخيانتهم للأهالي الذي إحتضنوهم طيلة قرون من الزمن !!
  • نشر القوات النظامية و الأهالي بعيدا بعدة كيلومترات عن سيدي فرج, (نص الدكتور أبو القاسم لتفاصيل جلب القوات والمحاربين)
  • الوعود الكاذبة للسلطات الفرنسية, والذرائع الرنانة التي نشرتها مع الحرب النفسية, حيث وعدوا الأهالي عبر منشورات بأنهم سيخلصونهم من الطغيان العثماني الذي جثم على أعناق الجزائريين طيلة قرون. فافتتن بذلك الكثير من المقهورين من صغار العقول.
 
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

اترك تعليقاً

Close Menu