من علماء الجزائر, العربي التبسي

من علماء الجزائر, العربي التبسي

العربي التبسي

مولده

ولد الإمام العربي بن بلقاسم بن مبارك بن فرحات اللموشي التبسي سنة 1895 م بدوّار سطح ( بلدية سطح ڨنتيس حاليا ) ، حوالي 115 كم جنوب غرب ولاية تبسة ( قرب الحدود مع ولايتي خنشلة و واد سوف ) ، وسط عائلة بسيطة تنتمي إلى عرش آه لمّوش ( النمامشة ) أكبر عرش أمازيغي في العالم ، نشأ الإمام في بيئة جبلية ريفية في إحدى أكثر مناطق بلدنا عزلة و وعورة …… بلدية سطح ڨنتيس التي جرت بها معركة الجرف الخالدة ، أكبر معركة في تاريخ ثورة التحرير المباركة ، التي دارت رحاها لمدة ثمانية أيام كاملة أواخر سبتمبر 1955 ، و التي شارك فيها أكثر من 40.000 جندي فرنسي ، حاولوا اقتحام جبال أوراس من بوابتها الغربية ( جبال النمامشة ) لكنهم اصطدموا بأبطال جيش التحرير الوطني ، الذين قتلوا أكثر من 700 فرنسي و دمروا العديد من الطائرات و الدبابات و الآليات العسكرية …. معركة تدرّس في كبرى المعاهد العسكرية العالمية …. لا يعرفها الكثير من الجزائريين للأسف …..

 

مشواره العلمي

بدأ الإمام حفظ القرآن على يد والده الشيخ بلقاسم ، الذي ما لبث ان توفي رحمه الله سنة 1903 م ، فانتقل الإمام إلى زاوية خنڨة سيدي ناجي الشهيرة ( شرق ولاية بسكرة ) أين أتم حفظ القرآن الكريم في ثلاث سنوات ، زاوية سيدي ناجي الرحمانية التي كانت قلعة حقيقية من قلاع الإسلام في المنطقة و التي تعاني من الإهمال و تندثر معالمها اليوم في صمت للأسف ….. في سنة 1910 انتقل الشيخ إلى زاوية مصطفى بن عزوز الشهيرة جنوب تونس و منها إلى جامع الزيتونة سنة 1914 م حيث نال شهادة الأهلية ، في سنة 1920 م سافر الشيخ إلى مصر أين أكمل دراسته بالأزهر الشريف و احتك هناك بالأفكار التجديدية التي كانت تدعوا آنذاك إلى تنقية الإسلام من البدع و الخرافات و نشر العلم و الوعي لتحرير المسلمين من سيطرة المستعمر

بقي الشيخ في مصر حتى سنة 1927 م ، حيث عاد إلى جامع الزيتونة أين نال شهادة التطويع ( العالمية ) أعلى شهادات الزيتونة قدرا !! مباشرة بعد نيل الشهادة عاد الإمام إلى الجزائر في نفس السنة للدعوة إلى الله و الشروع في نضاله من أجل النهوض بشعبه ، البداية كانت من مسقط رأسه تبسة أين ذاع صيته ، و التف الناس حوله لعلمه الغزير ، لورعه و تقواه ، لفصاحته و حكمته و تواضعه و طريقته الفريدة في إيصال و ترسيخ المعلومة ، إلتفاف شعبي أدى بالسلطات الفرنسية آنذاك بالتضييق على الشيخ و محاولة الضغط عليه ، لذلك نصحه رفيق دربه الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله بالسفر إلى سيڨ ( ولاية معسكر ) ، للخروج من الضغط ، و لنشر الدعوة و العلم في غرب البلاد ….

سافر الشيخ العربي تبسي إلى سيڨ سنة 1930 م ، أحب سكان المدينة الشيخ كثيرا و احتضنوه و ساعدوه في نشر أفكاره النيرة في المنطقة و في كل الغرب الجزائري ، نشاط دعوي قام به أئمتنا و مفاخر شعبنا في كل مناطق الوطن ، تبلور بتأسيس جمعية العلماء المسلمين في ماي 1931 ، حيث تجمع أكثر من 70 عالما من كل مناطق الوطن ، بهدف توحيد الجهود لنشر العلم و الوعي و الحفاظ على هوية شعبنا و شخصيته و قيمه

في سنة 1932 ألح سكان تبسة على الشيخ العربي تبسي بأن يعود إليهم ، فاشترط مقابل ذلك بناء مدرسة و مسجد ليكونا مقرا لنشاطه الدعوي ، فكان تأسيس “مدرسة تهذيب البنين و البنات ” التي افتتحت سنة 1934 م و التي احتضنت في عامها الأول حوالي 500 طالب و طالبة ، مدرسة كانت مثالا رائعا في نشر التعليم و الوعي خاصة في صفوف البنات مثلما خطط له أعضاء جمعية العلماء المسلمين ، في سنة 1935 عين الشيخ العربي تبسي كاتبا عاما لجمعية العلماء المسلمين و رئيس لجنة الفتوى بها

في سنة 1940 م و بعد وفاة الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله ، انتخب الإمام التبسي نائبا لرئيس الجمعية الإمام البشير الإبراهيمي الذي كان منفيا في آفلو ، بدأ الإمام بالتدريس في الجامع الأخضر بقسنطينة في السنة نفسها ، وفي 1942م قررت جمعية التربية والتعليم بقسنطينة نقل نشاطها الذي كان بالجامع الأخضر إلى تبسة نقلا مؤقتا ليشرف عليه الإمام التبسي عن قرب ، شارك الإمام العربي تبسي في تنظيم مضاهرات 5 ماي 1945 ، و مشى فيها شخصيا ، حيث تعرض للسجن و التعنيف ، و نفاه المستعمر الفرنسي إلى المشرية حيث بقي في الإقامة الجبرية حتى ربيع 1946

بعد افتتاح معهد عبد الحميد بن باديس عام 1947م انتقل الإمام التبسي إلى قسنطينة بعد أن أسندت إليه مهمة إدارته وقد بقي على رأسه إلى يوم غلقه سنة 1956م ، لم يكن انتقاله إلى قسنطينة أمرا سهلا بالنسبة لسكان تبسة الذين كانوا يحبونه كثيرا و يفخرون به ، قال الشيخ الإبراهيمي: “أرضينا سكان تبسة الكرام الذين كانوا يعدون انتقال الأستاذ التبسي عنهم كبيرة يرتكبها من يتسبب فيها ، وأقنعناهم بأن الشيخ العربي رجل أمة كاملة لا بلدة واحدة ورجل الأعمال العظيمة لا الأعمال الصغيرة فاقتنعوا، وأمنا لهم مشاريعهم العلمية والدينية بإيجاد من يخلف الأستاذ فيها فرضوا مخلصين…” …… طوال هذه الفترة لم يقبل الشيخ أن يأخذ أي راتب مقابل عمله الدعوي ، لأنه وهب نفسه من أجل أن يحيي أمته و شعبه …. حتى أنه لم يؤلّف و لم يترك كتبا كثيرة لانشغاله بالدعوة و نشر العلم و الوعي ….

في سنة 1950 انتقل الإمام العربي تبسي رفقة الإمام البشير الإبراهيمي إلى فرنسا لمطالبة السلطات الفرنسية بتحرير التعليم في الجزائر و نشره بين كل الجزائريين ، و تحسين ظروف معيشتهم و إعطائهم كامل حقوقهم ، في فرنسا التقى الإمامان بالعمال الجزائريين و الناشطين السياسيين الذين كان من بينهم البطل عميروش آيت حمودة رحمه الله ، و اتفقوا على تنظيم نشاط جمعية العلماء المسلمين بالمهجر بالموازاة مع العمل السياسي السري …. في سنة 1952 رحل الشيخ الإبراهيمي إلى المشرق فأصبح الشيخ التبسي رئيسا لجمعية العلماء المسلمين


جهاده

كان الشيخ على اتصال دائم بشباب حزب الشعب الجزائري الذين كانوا يحضرون لثورة التحرير المباركة ، إذ كان العديد منهم من طلبة مدارس جمعية العلماء المسلمين رغم الموقف الرسمي للجمعية الذي كان في بداية الثورة يؤكد على عدم تدخل الجمعية في الشؤون السياسية ، لكن الشيخ التبسي قرر سنة 1956 إنظمام الجمعية رسميا إلى الثورة بعد الجهود التي قام بها البطل عبان رمضان رحمه الله لتوحيد كل أطياف الحركة الوطنية ، قرار أدى إلى غلق معهد الجمعية بقسنطينة ، مما دفع بالشيخ إلى الإنتقال إلى العاصمة لمواصلة نشاطه رغم تهديد الفرنسيين ، و رغم مرضه وكبر سنه ….. إذ كان دائما ما يجيب من نصحه بالخروج من الجزائر إنقاذا لنفسه من الموت المحقق : ” إذا كنا سنخرج كلنا خوفا من الموت فمن يبقى مع الشعب ؟”. بل نقل آخرون عنه أنه قال : “لو كنت في صحتي وشبابي ما زدت يوما واحدا في المدينة ، ولأسرعت إلى الجبل فأحمل السلاح وأقاتل مع المجاهدين”

في مساء يوم الخميس 4 أفريل 1957م وفي قلب معركة الجزائر ( la bataille d’Alger ) ، اقتحمت فرقة من المظليين الفرنسيين مسكن الإمام العربي التبسي ، أكبر الشخصيات الدينية الإسلامية بالجزائر آنذاك ، بعد أن حطموا نوافذ الأقسام المدرسية الموجودة تحت الشقة التي يسكنها بحي بلكور ، وقد وجدوا الشيخ على فراش المرض ، فلم يراعوا حرمته الدينية ، ولا سنّه ، ولا مرضه الشديد ، فأخذوا الشيخ إلى المعتقل ، وحاولوا أن يجبروه على أن يطلب من المجاهدين وضع السلاح او التفاوض مع الفرنسيين ، لكنه رفض رفضا قاطعا ، فقاموا بتعذيبه وقد تكفل بتعذيبه الجنود السنغاليون والشيخ بين أيديهم صامت صابر محتسب يذكر الله تعالى ، إلى أن نفذ صبر السفاح “لاڨايارد” قائد فرقة القبعات الحمر ، وبعد عدة أيام من التعذيب جاء يوم الشهادة ……

إستشاهده 

أعدت للشيخ قدر كبيرة مليئة بزيت السيارات والشاحنات العسكرية والإسفلت الأسود وأوقدت النيران من تحتها إلى درجة الغليان ، ثم طلب منهم لاڨايارد حمل الشيخ فحمله أربعة من الجنود السنغاليين وأوثقوا يديه ورجليه ثم رفعوه فوق القدر المتأججة وطلبوا منه الإعتراف وقبول التفاوض وتهدئة المجاهدين والشعب ، والشيخ يردد بصمت وهدوء كلمة الشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ثم وضعوا قدميه في وعاء الزيت فأغمي عليه…ثم أنزل شيئا فشيئا إلى أن دخل بكامله فاحترق وتبخر وتلاشى ، رحمه الله رحمة واسعة ، شهادة اهتزّ لها الشعب الجزائري الذي لم يعرف حقيقة تعذيب و قتل الشيخ الإمام إلا بعد شهادة أحد المظليين الذين حضروا للحادثة المروعة ، و التي أدت به إلى الإنظمام إلى جيش التحرير الوطني بعد ذلك ……

رحم الله إمامنا و شيخنا العربي تبسي ، و جمعنا به و بكل أئمتنا و شهداء ثورتنا في فردوسه الأعلى ، و جزاهم عنا خير الجزاء ، بطل من أبطال شعبنا ، وهب حياته كلها من أجل بلده و شعبه ، عالم عامل مجاهد نأمل أن يردّ له الإعتبار ، و أن يتم تدريس سيرته و مبادئه و مواقفه ، كي نستلهم منها … و لكي نعرف قيمة هذه الأرض المباركة الطيبة المسقية بدماء الشهداء و الأبطال …

تحية إلى كل أهنا أبناء عرش آه لمّوش الغالين …. مفخرة جزائرنا الغالية …. و إلا كل أهلنا القبايل الأحرار … أسود جرجرة …. فخر بلادنا الحبيبة …… عاشت الجزائر واحدة موحدة مسلمة أمازيغية عربية …. رغم أنوف الحاسدين و دعاة الفتنة و الكراهية و الإنقسام و العنصرية

المجد و الخلود لشهدائنا الأبرار

بقلم الباحث معمر

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً