الأمير عبد القادر بن محي الدين

الأمير عبد القادر بن محي الدين

الذكرى 136 لوفاة الأمير عبد القادر

26 ماي 1883 …. ذكرى وفاة الأمير عبد القادر رحمه الله …. فخر الجزائر ….. مقال كتبته للتاريخ ، لتبيان السيرة الذاتية لأحد أعظم أبطال شعبنا عبر التاريخ …. العالم المجتهد الفارس المجاهد المتصوف …. الرجل الذي خلد اسمه في تاريخ البشرية بأحرف من ذهب !!

بمناسبة الذكرى 136 لوفاة الأمير عبد القادر ، قررت أن أكتب مقالا للتعريف بهذا البطل الرمز ، الذي كتب تاريخ شعبنا و تاريخ العالم بأحرف من ذهب … ليعرف الجميع ، خاصة من يتهمه اليوم بالخيانة و الإنتماء إلى الماسونية و العمالة ، قيمة هذا البطل …. الذي هو من أحفاد ملوك الأمازيغ …. الأمير عبد القادر الذي يعتبر أكبر بطل حارب فرنسا في التاريخ ، و قدم لبلدنا ما لم يقدمه أي أحد غيره ، الأرقام وحدها تتكلم عن بطولاته الأسطورية : جاهد لمدة 17 سنة كاملة ( ثورة المقراني مثلا دامت سنة واحدة ، مقاومة لالا فاطمة نسومر 3 سنوات ، تماما مثل مقاومة شريف بوبغلة ) ، 17 سنة جاب خلالها أغلب مناطق القطر الجزائري على حصانه ، قاد 116 معركة ( أكثر من كل أبطالنا ) ، حارب 122 جنرالا فرنسيا … 16 وزير حرب .. 5 أمراء …. ألحق بالفرنسيين أكبر هزيمة في تاريخهم : معركة المقطع التي قتل فيها 500 جندي فرنسي ….  مع كل ذلك يأتي اليوم شرذمة من المنسلخين يقدحون في الأمير و يتهمونه بالخيانة … و هم لا يجيدون حتى ركوب حصان ….. للأسف الشديد ……

ولد الأمير عبد القادر بن محي الدين يوم 6 سبتمبر 1808 ببلدة الڨيطنة ، على ضفاف واد الحمّام وسط جبال بني شڨران الشامخة ، غرب ولاية معسكر ، أبوه محي الدين كان شيخ الزاوية القادرية بالمنطقة ، ينحدر من عائلة نبيلة إدريسية استقرت وسط عرش الحشم ( إحشميّن بالأمازيغية ) الأمازيغي التاريخي ، الذي نسبه ابن خلدون إلى بني توجين من زناتة ، و لا يزال شيوخ المنطقة إلى اليوم ينسبون أنفسهم إلى زناتة …. أما أمه لالّا الزهرة بنت سيدي بودومة ، فهي من عائلة نبيلة من منطقة حمام بو حجر ، تنحدر من ملوك بني يفرن الأمازيغ ، نسب نبيل شريف كان يذكره الأمير عبد القادر و يعتز به كثيرا !!!

نشأ الأمير عبد القادر في زاوية أجداده ، حيث تعلم اللغة العربية و القرآن الذي حفظه كاملا و نال لقب الحافظ و إجازة تفسير القرآن و الحديث و هو ابن 14 سنة ، كما كان منذ صغره ماهرا في فنون الفروسية و ركوب الخيل ، كما هي عادة أجداده ، بدأ الأمير في تدريس القرآن و علوم الدين و عمره 15 سنة بعد رحلة لسنتين إلى وهران ، درس فيها علوم الفقه و الحساب و الفلسفة و الجغرافيا على يد شيوخها ، خاصة قاضي وهران الشيخ أحمد البطيوي ( نسبة إلى قبيلة بطيوة الأمازيغية ) ، في سنة 1823 م تزوج الأمير و عمره 15 سنة فقط مع لالا خيرة التي أنجبت الأمير خالد ، لما بلغ 17 سنة قرر أبوه محي الدين أن يذهب إلى الحج رفقة ابنه ، للابتعاد عن ضغوط باي وهران الذي كانت تقاومه قبائل الحشم بسبب ظلمه و تسلطه ، خلال الحج تعرف الأمير على أحوال المسلمين في الشرق و أعجب كثيرا بما قام به محمد علي باشا في مصر و محاولات تحرره من قبضة العثمانيين ، عاد الأمير و أبوه إلى الجزائر سنة 1828 م …. بعد سنتين احتلت فرنسا الجزائر العاصمة بعد استسلام حسين داي ، لتبدأ مقاومة شعبنا البطولية ……

إتفق أعيان قبائل الغرب الجزائري على تعيين محي الدين قائدا للثورة الشعبية ضد المستعمر الفرنسي ، بعد أن التف سكان الشرق حول أحمد باي ، و سكان الوسط حول بن زعموم ، قبل محي الدين المهمة و جعل ابنه عبد القادر قائدا للجيوش ، حقق الأمير انتصارات ميدانية ضد الفرنسيين مما دفع بوالده لترشيحه كقائد للمقاومة ، فكانت البيعة الأولى التي كانت يوم 27 نوفمبر 1832 م تحت شجرة الدردارة الشهيرة ، بيعة حضرها قادة و أعيان أعراش الغرب الجزائري من جبال الظهرة إلى جبال تلمسان ، تلتها بيعة ثانية في شهر فيفري 1833 م حضرتها الأعراش التي لم تحضر في البيعة الأولى ، كان عمر عبد القادر آنذاك 25 سنة …… و اختار لقب أمير ، كما اختاره أسلافه من قبل بولوغين بن زيري و عبد المؤمن بن علي …… بيعة وحدت كل أعراش الغرب الجزائري ، الذين كان يروي شيوخهم آنذاك ( و لا يزالون يروون الأسطورة إلى اليوم ) أن الله سيرسل من قبائل زناتة بطلا سيوحد كل شعبنا لما تتكالب علينا الأعداء ……..

بدأ الأمير عبد القادر بتنظيم دولته ، فأسس جيشا نظاميا مبنيا حول فرق الخيالة و حرب العصابات ( كما هي عادة الملوك الأمازيغ ) ، أسس عاصمة متنقلة سماها الزمالة ، كانت مكيفة مع تنقلاته العديدة ، كما أسس قلاعا و مصانع للذخيرة ، حكم بين الناس بالشريعة و بالأعراف المحلية ، قسم أراضيه إلى 8 مقاطعات ، يحكم كل واحد منها خليفة :

– مقاطعة مليانة : تشمل غرب متيجة و جبالها ، بقيادة محمد بن علال

– مقاطعة تيطري : بقيادة محمد البركاني

– مقاطعة حمزة ( مقاطعة الجبال ) تشمل منطقة القبائل و شرق تيطري ، بقيادة أحمد بن سالم

– مقاطعة الزيبان ( بسكرة ) بقيادة فرحات بن سعيد

– مقاطعة مجانة ( برج بو عريريج ) بقيادة محمد المقراني

– مقاطعة معسكر : بقيادة مصطفى التهامي

– مقاطعة تلمسان : بقيادة محمد الولهاصي

– مقاطعة الصحراء الغربية ( بشار ) بقيادة قدور بن عبد الباقي

كما كان. لدولة الأمير مجلس شورى مكون من 11 عالما ، و نواب يختارون من أعيان القبائل و الأعراش ، من الحكماء و حفظة القرآن الكريم ، كما أسس الأمير عدة مصانع و مستشفيات متنقلة لتلبية احتياجات الجيش ، مما جعل المؤرخين يصفون الأمير عبد القادر بمؤسس الدولة الجزائرية الحديثة

بدأ الأمير جهاده ضد الفرنسيين و ألحق بهم عدة هزائم ، اضطرت الفرنسيين إلى طلب السلم ، و بالفعل عقدت اتفاقية دي ميشيل سنة 1834 م التي اعترفت فيها فرنسا بدولة الأمير عبد القادر ، استغل الأمير الهدنة لتنظيم دولته و توحيد القبائل و ترسيخ روح الجهاد في النفوس ، و نشر العدل و الأمن لدرجة أن أحد الفرنسيين قال عن دولته ” يستطيع الطفل أن يطوف بها منفردا ، و عليه تاج من ذهب ، دون أن يصيبه أي أذى !!! ” ، أسس الأمير في هذه الفترة عاصمة ثانية اختارها أن تكون في الهضاب العليا بعيدا عن الفرنسيين ، سماها تاڨدمت ( قرب تيارت ) ، لإرساء دعائم دولته ، لكن الفرنسيين خرقوا بنود الإتفاقية مما أدى إلى اندلاع الحرب من جديد ، فكانت معركة المقطع الخالدة ( شمال معسكر ) في جوان 1835 ، التي سحق فيها الأمير عبد القادر الجيش الفرنسي ، و ألحق به أكبر هزيمة له في الجزائر منذ 1830 ….. تواصلت معارك الكر و الفر بين الأمير و الفرنسيين الذين أرسلوا عدة جنرالات لحرب الأمير آخرهم السفاح بيجو ، كلهم فشلوا في مهامهم حتى كانت الهزيمة الكبرى في معركة واد تافنا ( عين تيموشنت ) ، التي اضطر بعدها الفرنسيون إلى توقيع معاهدة تافنا في ماي 1837 ، التي اعترفت فيها فرنسا بسيطرة الأمير على ثلثي مساحة إيالة الجزائر !!!

لكن الفرنسيين سرعان ما نقضوا المعاهدة باحتلالهم قسنطينة شهر نوفمبر 1837 ، ثم باعتمادهم على الخونة و العملاء لإثارة الفتن بين زعماء القبائل و الأعراش ، مما اضطر الأمير عبد القادر إلى إعلان الحرب مرة أخرى بسهل متيجة ، حيث كان واد شفة الفاصل بين دولته و مناطق حكم الفرنسيين ، فكانت معارك فاصلة قادها أبطال جيش الأمير عبد القادر محمد البركاني و محمد بن علال و أحمد بن سالم في واد العلايق و البليدة و ثنية موزايا …. إلخ ، معارك انتهت بانهزام جيوش الأمير عبد القادر و تراجعها بسبب اعتماد الفرنسيين سياسة الأرض المحروقة و المجازر الجماعية لتخويف الأهالي ، بعد استشهاد البطلين محمد البركاني و محمد بن علال سنة 1843 تراجع الأمير إلى أقصى الغرب الجزائري أين كان يأمل أن يسانده ملك المغرب في جهاده ، فترة استغلها الفرنسيون لبدأ عمليات إبادة الشعب الجزائري ، فكانت مجازر الظهرة سنتي 1844 و 1845 بقيادة السفاحين. بيجو ، كافينياك ، سانت آرنو … إلخ ، مجازر ذهب ضحيتها الآلاف من الجزائريين ….. و رغم كل جهوده للحصول على دعم ملك المغرب ، إلا أن هذا الأخير اضطر إلى مهادنة الفرنسيين بعد هزيمة الجيش المغربي في معركة إسلي سنة 1844 ، و أصدر ملك المغرب عبد الرحمن قرارا بطرد الأمير بن عبد القادر من كل التراب المغربي ، وجد الأمير نفسه معزولا و محاصرا في المنطقة الحدودية ، و حاول المقاومة لثلاث سنوات ، لكنه اضطر إلى الإستسلام بعد تصاعد مجازر الفرنسيين ، حقنا لدماء الجزائريين ، فسلم نفسه يوم 21 ديسمبر 1847 بعد 17 سنة من الجهاد البطولي …… إستسلام اشترط فيه الأمير أن يتم نفيه هو و عائلته إلى الشام

لكن الفرنسيين غدروا به مرة أخرى ، و قاموا بسجنه في فرنسا في مدن تولون ، بو ثم قصر أمبواز ، سجن عارضه العديد من المثقفين و الإعلاميين و الحقوقيين الفرنسيين آنذاك ، أبرزهم الكاتب العالمي فيكتور هيڨو ، لأنهم سمعوا ببطولات الأمير و نبله و معاملته الجيدة للأسرى الفرنسيين ……. في سنة 1852 قرر نابليون إطلاق سراح الأمير و عائلته بشرط ألا يزعج الأمير مصالح الفرنسيين و ألا يعود إلى الجزائر ، فذهب الأمير إلى بورصة بتركيا ثم استقر في دمشق عاصمة الشام ، أين انقطع للعبادة و التأليف و التدريس ، في سنة 1860 م اندلعت الفتنة في الشام بين الدروز و المسيحيين ، فتنة أدت إلى مقتل أكثر من 3000 شخص و كادت أن تعصف بالمنطقة لولا تدخل الأمير عبد القادر شخصيا لإنقاذ مسيحيي الشام ، بشخصيته القوية و علمه و سمعته تمكن الأمير من توقيف الفتنة ، موقف بطولي أثار انبهار كل العالم آنذاك ، فكرمته عدة دول مثل الدولة العثمانية و اليونان و الفاتيكان و فرنسا و بريطانيا و حتى الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن الذي أرسل للأمير مسدسين مرصعين بالجواهر هما اليوم في متحف الجزائر ….. تكريمات عالمية تفسر صور الأمير بالقلادات و النياشين ……

في سنة 1865 دعا الإمبراطور نابليون الأمير لزيارة فرنسا لتكريمه و إظهار العرفان و الإمتنان له بسبب إنقاذه لمسيحيي الشام ، فاستقبل الأمير استقبال الملوك من طرف الشعب الفرنسي الذي ذهل بشخصيته و نبله و بطولاته ، في هذه الفترة اقترب الأمير عبد القادر بأعضاء من الماسونية العالمية ، لأنه كان يحلم بصنع عالم جديد يعيش فيه المسلمون و المسيحيون بسلام ، بعيدا عن الحروب و المآسي، و طلب الأمير من نابليون أن يتوسط لدى قيصر روسيا لإطلاق سراح البطل الإمام شامل الذي قاد جهاد مسلمي القوقاز ضد الروس ، و السماح له بالذهاب إلى الحج ، كما طلب منه تحسين ظروف معيشة الجزائريين ، و بالفعل نفذ نابليون ذلك بإصداره عدة قرارات ، و كان يطمح حتى لإرساء المساواة بين الجزائريين و الفرنسيين قبل أن تعصف به رياح السياسة ببدأ الحرب بين فرنسا و بروسيا …….

توفي الأمير عبد القادر رحمه الله في دمشق يوم 26 ماي 1883 م ، و دفن ، حسب وصيته ، قرب قبر الشيخ الصوفي ابن عربي الأندلسي ، في جنازة تاريخية حضرها الآلاف من الناس ، في سنة 1965 قررت السلطات الجزائرية نقل رفاة الأمير عبد القادر إلى مقبرة العالية بالعاصمة ، نقل رفاة خلده سنة 1967 م الراحلان كاتب ياسين و امحمد إسياخم في فيلم وثائقي : غبار جويلية …….. لتنتهي رحلة بطل عظيم من عظماء شعبنا ، بطل في سيرته الذاتية الكثير من العبر و الدروس و المواقف الخالدة

بطل ولد بجبال بني شڨران ، حفظ القرآن و درّسه و هو ابن 14 سنة ، حج بيت الله الحرام و عمره 18 سنة ، قاد مقاومة شعبنا في وجه أعتى جيوش العالم و عمره 22 سنة ….. فارس يقال أنه كان بإمكانه امتطاء حصانه ليوم و ليلة دون استراحة ( كما قيل عن ماسينيسا منذ 2200 سنة ….. ) ، بطل قاد كل معاركه بنفسه : خاض 116 معركة ضد الفرنسيين ، حارب 22 جنرالا ، 16 وزير حرب فرنسي ، 5 من أبناء ملك فرنسا لويس فيليب ……… شاعر و فقيه و فيلسوف و حكيم أثر في تاريخ العالم بأسره …. رجل رمز يمثل لوحده خير ما أنجبت أرضنا المباركة …. أنظروا ماذا قدم الرجل لبلده ….. فماذا قدمنا نحن ؟؟؟؟؟

أهدي هذا المقال إلى كل أحفاده ، إلى كل جزائري وطني أصيل فخور ببلده ، إلى كل مسلم يؤمن بثقافة التسامح و تعايش البشر مع بعضهم مهما كانت دياناتهم ، و إلى كل من حاولوا تشويه سمعة رجل أجمع العالم بأسره على عظمته ……

 حرر من طرف الباحث معمر أمين

في الصورة نرى الأمير عبد القادر ب “أحولي ” …. اللباس الأمازيغي الأصيل الذي كان يلبسه في كل صوره ، مع برنسه الأبيض …. لباس لا يزال يلبسه شيوخ واد مزاب و جبل نفوسة إلى يومنا هذا ……

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً